تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

مسادرته [*] ، ومصاهرته، ولا تحل غيبته ولا أذيته، وتلزم أخوته ومودته، أخوة

جعلها الله في محكم كتابه، وعقدها في أعناق المسلمة من عباده، فأصبحتم بنعمته

إخوانا والمؤمنون بعضهم أولياء بعض، وقد استفاض في السنة النبوية من طرق

الفريقين أن المسلم أخو المسلم شاء أو أبى، والمسلم من المسلم كالعضو من الجسد

إلى كثير من أمثال هذا.

وما سعد الإسلام وصعد إلى أعلى ذروات العز والمجد إلا يوم كان محافظا

على تلك الأخوة، وما انحط إلى أسفل دركات السقوط والذلة إلا بعد أن أضاع تلك

القوة، ويشهد الله سبحانه أن ما ذكرته من عقيدة الشيعة الإمامية في إخوانهم

المسلمين هو الحقيقة الراهنة التي لا محاباة فيها ولا تقية، وإن ظهر من كلام بعض

العلماء خلافها فلعله من قصور التعبير وعدم وفاء البيان، ومن شاء الزيادة في

اليقين فدونه الصحيفة السجادية للإمام زين العابدين سلام الله عليه وهي زبور آل

محمد صلى الله عليه وسلم، فلينظر في دعائه لأهل الثغور الذي يقول في أوله:

اللهم صل على محمد وآل محمد، وحصن ثغور المسلمين بعزتك، وأيد حماتها

بقوتك، وأسبغ عطاياهم من جدتك ... إلخ الدعاء على طوله، وهل يشك أحد أن

حماة الثغور في عصر الإمام زين العابدين عليه السلام - أعني عصر بني أمية -

كانوا من جمهور المسلمين وأكثرهم بل كلهم من السنة، والصحيفة السجادية تالية

القرآن عند الإمامية في الاعتبار وصحة السند.

والقصارى أني أعلن عني وعن جميع مجتهدي الشيعة الإمامية في النجف

الأشرف وغيرها، أن اتفاق المسلمين واشتراكهم في السعي لصالح الإسلام

والمحافظة عليه من كيد الأغيار، لم يزل ولا يزال من أهم أركان الإسلام وأعظم

فرائضه وأهم وظائفه، أما النزاعات المذهبية، والنزعات الجدلية فهي عقيمة

الفائدة في الدين، عظيمة الضرر على الإسلام والمسلمين، وهي أكبر آلات

المستعمرين.

فرجائي إلى الأستاذ صاحب المنار أن لا يعود إلى ما فرط منه كثيرا من

التحريش بالشيعة، ونشر الأبحاث والمجادلات مع بعض علماء الإمامية، والطعن

المر على مذهبهم الذي لا يثمر سوى تأجيج نار الشحناء والبغضاء بين الأخوين،

ولا يعود إلا ببلاء الضعف والتفرقة بين الفريقين، ونحن في أمس الحاجة اليوم إلى

جمع الكلمة، وتوحيد إرادة الأمة، وإصلاح ذات البين.

والأستاذ الرشيد - أرشد الله أمره - ممن يعد في طليعة المصلحين، وكبار

رجال الدين، فبالحري أن يقصر (مناره الإسلامي) على الدعوة إلى الوفاق

والوئام، وجمع كلمة الإسلام، ويتجافى في كل مؤلفاته - سيما في تفسيره الخطير-

عن كل ما يمس كرامة، أو يثير عصبية أو حمية، أو يهيج عاطفة، وأن يدعو

إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة؛ فإن ذلك أنجع وأنفع، وأعلى درجة عند الله

وأرفع، وعلى هذه خطاي وخطتي، وهي ديني وديدني، عليه أحيا وعليه أموت

إن شاء الله.

وإليه تعالى أرغب وأبتهل في أن يجمع كلمتنا على الحق والهدى حتى نكون

يدا واحدة في نصرة هذا الدين الحنيف، إنه أرحم الراحمين.

حرره في زاوية النجف الأشرف المقدسة يوم النصف من شهر رمضان

المبارك سنة 1350 ... ... ... ... ... ... محمد الحسين آل كاشف الغطاء

(المنار)

هذا نص الجواب الموعود من سماحة العلامة الواسع الصدر، الجليل القدر،

وهو على حسنه ولطفه دون ما سمعت منه بالمشافهة، ودون ما كنت أتوقع من

الصراحة، جاء مجملا ليس حزا في المفاصل، لم يذكر فيه كلمة الخصم الشنعاء؛

وإنما أشار إليها (بربما يقال) وحصر كلامه في رأي الشيعة الإمامية في (إخوانهم

المسلمين) وقال إنها مجمع عليها بالشرط الذي ذكره، وإنه إن ظهر من كلام بعض

العلماء خلافها فلعله من قصور التعبير وعدم وفاء البيان، فتضمن قوله هذا الاعتذار

عن الأستاذ السيد عبد الحسين نور الدين بأنه ليس فيه إلا قصور التعبير عن

مذهبهم وعدم وفاء البيان به، وهذا السيد ليس ضعيف البيان بل هو فصيح العبارة

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ٣٢ · الصفحة ١٢٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ٣٢ · ص ١٢٨