تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

إقناع أمثال اليابانيين بالدخول فيه؟ إنما الرأي أن يربى طائفة من الأذكياء ويعلموا

تعليما خاصا يؤهلهم للقيام بهذا الواجب في هذا العصر، ويكتفي جلالة السلطان

الآن بإرسال كتاب ودي إلى الميكادو مع هدية لائقة به، ويذكر له في الكتاب أن ما

اقترحه قد وقع في أعلى مواقع الاستحسان، وسننظر في تنفيذه بالصفة المرضية،

فكان أن عمل السلطان بهذا الرأي؛ ولكن دون تنفيذ اقتراح التعليم الخاص بالدعاة

إلى الإسلام.

المقصد من موضوع التجديدين:

أما بعد، فقد تقدم في التجديد الديني حديث (إن الله تعالى يبعث لهذه الأمة

على رأس كل مائة سنة من يجدد لها دينها) وهو نص في الموضوع بلفظه وقد بينا

معناه في أول المحاضرة، وينحصر المراد بالرجوع بالدين إلى سهولته وهدايته كما

كان في الصدر الأول وجمع كلمة المسلمين على ما أجمعوا عليه قبل التفرق

والاختلاف، وجعل ما عدا القطعي منه مما يعذر فيه كل فرد باجتهاده، وكل مقلد

باتباع المذهب أو العالم الذي وثق بعلمه، من غير تعصب يفرق الأمة الواحدة إلى

شيع وفرق يعادي بعضها بعضا، ولنا في تفصيل هذا الإجمال وبيانه مقالات كثيرة

جمعنا أهمها في كتاب خاص باسم (الوحدة الإسلامية) ومن وسائل هذا التجديد

إحياء اللغة العربية بالكلام والكتابة والخطابة وتأليف الكتب بالأساليب العصرية

السهلة وتعميم التعليم والتربية على القواعد الفنية، ونشر الدعاية الإسلامية في

العالم.

وإذا كانت الأمة تحتاج إلى التجديد في إقامة أمر دينها وقد أكمله الله تعالى له

وحظر عليها الابتداع فيه - فهي أحوج إلى التجديد في أمور الدنيا التي تختلف

مصالحها باختلاف الزمان والمكان وعرف الناس، والشرع يراعي ذلك كله كما هو

مقرر في كتب الفقه.

والتجديد فيها نوعان: نوع يتعلق بالمصالح العامة وما تحتاج إليه من التشريع،

وقد حث الشارع على التجديد في هذا النوع بقوله صلى الله عليه وسلم (من سن

في الإسلام سنة حسنة فعمل بها بعده كتب له مثل أجر من عمل بها ولا ينقص من

أجورهم شيء، ومن سن في الإسلام سنة سيئة فعمل بها بعده كتب عليه مثل وزر

من عمل بها ولا ينقص من أوزارهم شيء) رواه مسلم من حديث جرير بن عبد الله.

وإن من هذه السنن العامة وضع قواعد العلوم والفنون النافعة وإنشاء المدارس

والملاجئ والمستشفيات، ويستوي في هذا التجديد الأفراد والجماعات والحكومات،

ومنها ما هو خاص بالحكومة كالمصالح العسكرية التي يتوقف عليها حماية البلاد

وحفظ الأمة من العدوان.

وأما التشريع المتعلق به فهو موكول في الإسلام إلى أولي الأمر، والجماعة

المعبر عنها بأصحاب الحل والعقد، فهم يقررونه بالشورى بينهم، والاجتهاد فيما

ليس فيه نص قطعي من وحي ربهم، ولا سنة ماضية من سنن نبيهم، بشروطه

المعروفة في محلها؛ فإن الاجتهاد مع وجود النص ممنوع في الشرع وفي القوانين

الوضعية جميعا.

والنوع الثاني ما هو من أمور المعايش كالزراعة والصناعة والتجارة وأمور

العادات التي ليس فيها مفسدة، وقد وكله الشارع إلى تجارب الناس، وفي هذا قال

صلى الله عليه وسلم (أنتم أعلم بأمر دنياكم) رواه مسلم من حديث أنس وعائشة

رضي الله عنهم وقال في معناه (ما كان من أمر دينكم فإلي، وما كان من أمر

دنياكم فأنتم أعلم به) رواه أحمد.

وجملة القول أن التجديد المشروع يشمل كل ما تعتز به الأمة والدولة من العلوم

والفنون والصناعات والنظم المالية والإدارية والعسكرية والمنشآت البرية والبحرية

والجوية، فكل ذلك يعد في الإسلام من فروض الكفايات التي تأثم الأمة كلها بتركها

والشرع لا يقيدها فيها إلا باجتناب الضرر والضرار والظلم (ومنه استغلال حاجة

المعسر بأخذ الربا منه) مع قواعد إباحة الضرورات للمحظورات وتقديرها بقدرها،

ومراعاة الحق والعدل.

(لها بقية)

-----------------

<span class="footnote">

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ٣٢ · الصفحة ١٢٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ٣٢ · ص ١٢٦