تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

5- توحيد اللغة الذي يتم به التعاون والتعارف والتآلف والتعليم، ويحول دون

تفرق الأمة إلى أجناس مختلفة.

فبهذه الأنواع من التوحيد والتأليف بين أجناس البشر في جميع مقومات الأمم

كانت أخوة الإسلام الدينية، وروابطه الحسية والمعنوية، أقوى وأمتن ما عرفته

الإنسانية في الجمع بين شعوبها وقبائلها وتعارفهم وتآلفهم، وإزالة ما أرهقها من

التعادي والشقاق بينهم، باختلاف الأديان، واللغات والأنساب والأوطان، وتمهدت

بذلك جميع وسائل الكمال البشري، والمدنية الحق الفاضلة التي كانت الحكماء

السابقون يتمنونها وينشدونها ولا يهتدون إليها سبيلا، وما زال الحكماء اللاحقون

يبغونها ولن يجدوا إليها في غير ظل الإسلام مقيلا.

جرى السلف الصالح من خلفاء الإسلام وأمرائه وقواد جيوشه وقضاته على

صراط هذا التوحيد العام الكامل وهو الصراط المستقيم، فكان هذا هو السبب دون

غيره في دخول الأمم في دين الله أفواجا، وفي ترك لغاتهم إلى لغته التي جعلها

ربهم لغة لدين الإسلام وأهله، إذ جعل كتابه لهم عربيا، وحكمه فيهم به عربيا،

وأوجب عليهم تدبره والتعبد به في الصلاة وغيرها، ولولا أن الذين كانوا يهتدون

إلى الإسلام برؤية ما كان عليه الفاتحون من الصحابة رضي الله عنهم وأهل الصدر

الأول من العدل والفضائل، قد علموا أن هذا الدين هو القرآن وما بينه رسول الله

صلى الله عليه وسلم به من سنته، وأن لغته هي لغة القرآن لا تقوم هدايته ولا

تشريعه ولا تتم وحدة أمته وأخوتها إلا بها - لما أقبلوا على تعلم هذه اللغة من تلقاء

أنفسهم بباعث العقيدة، ولما انتشرت بينهم بتلك السرعة الغريبة، حتى أن الشعب

الفارسي العريق في المجد والحضارة والأدب فضل لغة دينه السامية، على لغة

جنسه وشعبه الرشيقة الراقية، فانتشرت منذ العصر الأول فيهم بسرعة البرق، من

غير دعاة ولا مدارس ولا كتب، ثم كان من رجاله واضعو بعض معاجمها وفنونها،

وأئمة الحديث والفقه وسائر العلوم فيها، وصارت هي اللغة الوحيدة للأقطار

السورية والمصرية والأفريقية، وتحقق بهذا أن هذه اللغة إنما هي لغة الإسلام لا

لغة العرب وحدهم، ولولا ضعف الخلافة العباسية في العلم وتغلب نفوذ الأعاجم

فيها ومنازعة سلاطينهم إياها في حكمها، لعمت العربية بلاد الأعاجم الإسلامية كلها

على أنهم ما زالوا كلهم يعبدون الله تعالى بها.

بذلك التوحيد الذي أوجزنا في بيان أنواعه ساد الإسلام العالم كله دينا ولغة

وحكما وتشريعا وأدبا وعلما وحكمة وحضارة؛ ولكن المسلمين لم يلبثوا أن صدعوا

بنيان كل توحيد منها، وتفرقوا واختلفوا من بعد ما جاءهم البينات، وكانوا شيعا

حتى في العقائد والتشريع، ودعوا إلى العصبية النسبية واللغوية، واقتتلوا بنعرة

عصبيات المذاهب والملك والوطن، فأوشك أن يخرجوا من حظيرة قوله تعالى:

﴿إن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاعبدون﴾ (الأنبياء: 92) وكاد يحيط بهم

سرادق ﴿الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا كل حزب بما لديهم فرحون﴾ (الروم:

32) ولا تتسع هذه المقدمة لبيان الأسباب التي دعتهم إلى هذا التفرق بل دعتهم

إليه دعا، وعتلتهم إلى هذه الضلالة عتلا، مع بيان شواهدها من الكتاب العزيز

والتاريخ.

غيروا ما بأنفسهم فغير الله ما بهم بمقتضى سننه في خلقه، فسلب منهم جل ما

كان آتاهم من ملك وسيادة ونعمة كانوا فيها فاكهين، وأنفذ وعيده فيهم كما أنفذه فيمن

قبلهم، وقد بلغ من خذلان الجهل وفساد الأخلاق فيهم أن راجت فيهم شبهة أعدائهم

الذين وسوسوا إليهم أن سبب ما طرأ عليهم من الضعف وزوال الملك إنما هو دينهم،

وهو هو الذي ساد به سلفهم، وعز به ملكهم، ونشأت بهدايته حضارتهم؛ ولكنهم

جهلوا دينهم وتاريخهم.

أتى عليهم بضع قرون، وهم في غمرة ساهون، لا يشعرون بذنوبهم فيتوبوا

منها، ولا يحسون بخطر أدوائهم فيعنوا بمعالجتها، حتى إذا ما بلغ السيل الزبى

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ٣٢ · الصفحة ١١١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ٣٢ · ص ١١١