وكذلك أخذ ربك إذا أخذ القرى وهي ظالمة إن أخذه أليم شديد
[هود: 102].. ثم أخبر تعالى أن كل ما جرى من المؤمنين من قطع النخيل، وإحراق بعض الأشجار المثمرة، فإنما كان بأمر الله وإرادته فقال ﴿ ما قطعتم من لينة أو تركتموها قآئمة على أصولها فبإذن الله ﴾ أي ما قطعتم أيها المؤمنون من شجرة نخيل، أو تركتموها كما كانت قائمة على سوقها فبأمر الله وإرادته ورضاه ﴿ وليخزي الفاسقين ﴾ أي وليغيظ اليهود ويذلهم، بقطع أشجارهم ونخيلهم قال الرازي: المعنى إنما أذن تعالى في ذلك حتى يزداد غيظ الكفار، وتتضاعف حسرتهم، بسبب نفاذ حكم أعدائهم في أعز أموالهم قال المفسرون: لما حاصر رسول الله صلى الله عليه وسلم بني النضير، كان بعض الصحابة قد شرع يقطع ويحرق في نخيلهم، إهانة لهم وإرعابا لقلوبهم، فقالوا: ما هذا الإفساد يا محمد؟ إنك كنت تنهى عن الفساد، فما بالك تأمر بقطع الأشجار؟ فأنزل الله هذه الآية الكريمة ﴿ ومآ أفآء الله على رسوله منهم ﴾ أي وما أعاد الله ورده غنيمة على رسوله من أموال يهود بني النضير ﴿ فمآ أوجفتم عليه من خيل ولا ركاب ﴾ أي لم تسيروا إليه خيلكم ولا ركابكم، ولا تعبتم في تحصيله قال القرطبي: يقال: وجف البعير وجيفا إذا أسرع السير، وأوجفه صاحبه إذا حمله على السير السريع، والركاب: ما يركب من الإبل، والمعنى: لم تقطعوا إليها شقة، ولا لقيتم بها حربا ولا مشقة، وإنما كانت من المدينة على ميلين، فافتتحها رسول الله صلى الله عليه وسلم صلحا، وأجلاهم عنها وأخذ أموالهم، فجعلها الله لرسوله صلى الله عليه وسلم خاصة يضعها حيث شاء ﴿ ولكن الله يسلط رسله على من يشآء ﴾ أي ولكنه تعالى من سنته أن ينصر رسله بقذف الرعب في قلوب أعدائه، من غير أن يقاسوا شدائد الحروب ﴿ والله على كل شيء قدير ﴾ أي هو تعالى قادر على كل شيء، لا يغالب ولا يمانع ولا يعجزه شيء.
. ثم بين تعالى حكم الفيء عامة - وهو ما يغنمه المسلمون بدون حرب - فقال ﴿ مآ أفآء الله على رسوله من أهل القرى ﴾ أي ما جعله الله غنيمة لرسوله بدون قتال من أموال الكفار قال ابن عباس: هي قريظة، والنضير، وفدك، وخيبر ﴿ فلله وللرسول ﴾ أي فحكمها أنها لله تعالى يضعها حيث يشاء، ولرسوله يصرفها على نفسه وعلى مصالح المسلمين ﴿ ولذي القربى واليتامى والمساكين ﴾ أي ولأقرباء الرسول من بني هاشم وعبد المطلب، ولليتامى الذين مات آباؤهم، وللمساكين ذوي الحاجة والفقر ﴿ وابن السبيل ﴾ أي وللغريب المنقطع في سفره قال في التسهيل: لا تعارض بين هذه الآية وبين آية الأنفال، فإن آية الأنفال في حكم الغنيمة التي تؤخذ بالقتال وإيجاف الخيل والركاب، فتلك يؤخذ منها الخمس ويقسم الباقي على الغانمين، وأما هذه ففي " حكم الفيء " وهو ما يؤخذ من الكفار من غير قتال فلا تعارض بينهما ولا نسخ، وقد قرر الفقهاء الفرق بين الغنيمة والفيء، وأن حكمهما مختلف، فالغنيمة ما أخذت بالقتال، والفيء ما أخذ صلحا، وانظر كيف ذكر هنا لفظ الفيء
مآ أفآء الله على رسوله } وذكر في الأنفال لفظ الغنيمة { واعلموا أنما غنمتم من شيء
[الأنفال: 41]!! ﴿ كي لا يكون دولة بين الأغنيآء منكم ﴾ أي لئلا ينتفع بهذا المال ويستأثر به الأغنياء دون الفقراء، مع شدة حاجة الفقراء للمال قال القرطبي: أي فعلنا ذلك كيلا يتقاسمه الرؤساء والأغنياء بينهم دون الفقراء والضعفاء، لأن أهل الجاهلية كانوا إذا غنموا أخذ الرئيس ربعها لنفسه - وهو المرباع - ثم يصطفي منها أيضا ما يشاء قال المفسرون: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قسم أموال بني النضير على المهاجرين فإنهم كانوا حينئذ فقراء، ولم يعط الأنصار منها شيئا فإنهم كانوا أغنياء، فقال بعض الأنصار: لنا سهمنا من هذا الفيء فأنزل الله هذه الآية ﴿ ومآ آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا ﴾ أي ما أمركم به الرسول صلى الله عليه وسلم فافعلوه، وما نهاكم عنه فاجتنبوه، فإنه إنما يأمر بكل خير وصلاح، وينهى عن كل شر وفساد قال المفسرون: والآية وإن نزلت في أموال الفيء، إلا أنها عامة في كل ما أمر به النبي صلى الله عليه وسلم أو نهى عنه من واجب، أو مندوب، أو مستحب، أو محرم، فيدخل فيها الفيء وغيره، عن ابن مسعود أنه قال: " لعن الله الواشمات، والمستوشمات، والمتنمصات، والمتفلجات للحسن، المغيرات خلق الله " فبلغ ذل امرأة من بني أسد يقال لها " أم يعقوب " - وكانت تقرأ القرآن - فأتته فقالت: ما حديث بلغني عنك أنك قلت كذا وكذا!! وذكرته له، فقال ابن مسعود: وما لي لا ألعن من لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو في كتاب الله تعالى؟ فقالت المرأة: لقد قرأت ما بين لوحي المصحف فما وجدته! فقال: إن كنت قرأتيه لقد وجدتيه، أما قرأت قول الله عز وجل ﴿ ومآ آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا ﴾؟ ﴿ واتقوا الله ﴾ أي خافوا ربكم بامتثال أوامره واجتناب نواهيه ﴿ إن الله شديد العقاب ﴾ أي فإن عقابه أليم وعذابه شديد، لمن عصاه وخالف ما أمره به ﴿ للفقرآء المهاجرين الذين أخرجوا من ديارهم وأموالهم يبتغون فضلا من الله ورضوانا ﴾ هذا متعلق بما سبق من حكم الفيء كأنه يقول: الفيء والغنائم لهؤلاء الفقراء المهاجرين الذين ألجأهم كفار مكة إلى الهجرة من أوطانهم، فتركوا الديار والأموال، ابتغاء مرضاة الله ورضوانه ﴿ وينصرون الله ورسوله ﴾ أي قاصدين بالهجرة إعلاء كلمة الله ونصرة دينه ﴿ أولئك هم الصادقون ﴾ أي هؤلاء الموصوفون بالصفات الحميدة هم الصادقون في إيمانهم قال قتادة: هؤلاء المهاجرون الذين تركوا الديار والأموال، والأهلين والأوطان، حبا لله ورسوله، حتى إن الرجل منهم كان يعصب الحجر على بطنه ليقيم به صلبه من الجوع.