تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

. ثم عقب تعالى على ما يترتب على سماع الأنباء المكذوبة من تخاصم وتباغض وتقاتل فقال ﴿ وإن طآئفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما ﴾ أي وإن حدث أن فئتين وجماعتين من إخوانكم المؤمنين جنحوا إلى القتال فأصلحوا بينهما، واسعوا جهدكم للإصلاح بينهما، والجمع ﴿ اقتتلوا ﴾ باعتبار المعنى، والتثنية ﴿ بينهما ﴾ باعتبار اللفظ ﴿ فإن بغت إحداهما على الأخرى ﴾ أي فإن بغت إحداهما على الأخرى، وتجاوزت حدها بالظلم والطغيان، ولم تقبل الصلح وصممت على البغي ﴿ فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء إلى أمر الله ﴾ أي فقاتلوا الفئة الباغية حتى ترجع إلى حكم الله وشرعه، وتقلع عن البغي والعدوان، وتعمل بمقتضى أخوة الإسلام ﴿ فإن فآءت فأصلحوا بينهما بالعدل وأقسطوا ﴾ أي فإن رجعت وكفت عن القتال فأصلحوا بينهما بالعدل، دون حيف على إحدى الفئتين، واعدلوا في جميع أموركم ﴿ إن الله يحب المقسطين ﴾ أي يحب العادلين الذين لا يجورون في أحكامهم قال البيضاوي: والآية نزلت في قتال حدث بين " الأوس " و " الخزرج " في عهده صلى الله عليه وسلم كان فيه ضرب بالسعف والنعال، وهي تدل على أن الباغي مؤمن، وأنه إذا كف عن الحرب ترك، وأنه يجب تقديم النصح والسعي في المصالحة ﴿ إنما المؤمنون إخوة ﴾ أي ليس المؤمنون إلا إخوة، جمعتهم رابطة الإيمان، فلا ينبغي أن تكون بينهم عداوة ولا شحناء، ولا تباغض ولا تقاتل قال المفسرون: ﴿ إنما ﴾ للحصر فكأنه يقول: لا أخوة إلا بين المؤمنين، ولا أخوة بين مؤمن وكافر، وفي الآية إشارة إلى أن أخوة الإسلام أقوى من أخوة النسب، بحيث لا تعتبر أخوة النسب إذا خلت عن أخوة الإسلام ﴿ فأصلحوا بين أخويكم ﴾ أي فأصلحوا بين إخوانكم المؤمنين، ولا تتركوا الفرقة تدب، والبغضاء تعمل عملها ﴿ واتقوا الله لعلكم ترحمون ﴾ أي اتقوا الله تعالى بامتثال أوامره واجتناب نواهيه، لتنالكم رحمته، وتسعدوا بجنته ومرضاته ﴿ يأيها الذين آمنوا لا يسخر قوم من قوم عسى أن يكونوا خيرا منهم ﴾ أي يا معشر المؤمنين، يا من اتصفتم بالإيمان، وصدقتم بكتاب الله وبرسوله، لا يهزأ جماعة بجماعة، ولا يسخر أحد من أحد، فقد يكون المسخور منه خيرا عند الله من الساخر، ورب أشعث أغبر ذو طمرين لو أقسم على الله لأبره ﴿ ولا نسآء من نسآء عسى أن يكن خيرا منهن ﴾ أي ولا يسخر نساء من نساء فعسى أن تكون المحتقر منها خيرا عند الله وأفضل من الساخرة ﴿ ولا تلمزوا أنفسكم ولا تنابزوا بالألقاب ﴾ أي ولا يعب بعضكم بعضا، ولا يدع بعضكم بعضا بلقب السوء، وإنما قال ﴿ أنفسكم ﴾ لأن المسلمين كأنهم نفس واحدة ﴿ بئس الاسم الفسوق بعد الإيمان ﴾ أي بئس أن يسمى الإنسان فاسقا بعد أن صار مؤمنا قال البيضاوي: وفي الآية دلالة على أن التنابز فسق، والجمع بينه وبين الإيمان مستقبح ﴿ ومن لم يتب فأولئك هم الظالمون ﴾ أي ومن لم يتب عن اللمز والتنابز فأولئك هم الظالمون بتعريض أنفسهم للعذاب ﴿ يأيها الذين آمنوا اجتنبوا كثيرا من الظن ﴾ أي ابتعدوا عن التهمة والتخون وإساءة الظن بالأهل والناس، وعبر بالكثير ليحتاط الإنسان في كل ظن ولا يسارع فيه بل يتأمل ويتحقق ﴿ إن بعض الظن إثم ﴾ أي إن في بعض الظن إثم وذنب يستحق صاحبه العقوبة عليه قال عمر رضي الله عنه: " لا تظنن بكلمة خرجت من أخيك المؤمن إلا خيرا، وأنت تجد لها في الخير محملا " ﴿ ولا تجسسوا ﴾ أي لا تبحثوا عن عورات المسلمين ولا تتبعوا معايبهم ﴿ ولا يغتب بعضكم بعضا ﴾ أي لا يذكر بعضكم بعضا بالسوء في غيبته بما يكرهه ﴿ أيحب أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتا ﴾ تمثيل لشناعة الغيبة وقبحها بما لا مزيد عليه من التقبيح أي هل يحب الواحد منكم أن يأكل لحم أخيه المسلم وهو ميت؟ ﴿ فكرهتموه ﴾ أي فكما تكرهون هذا طبعا فاكرهوا الغيبة شرعا، فإن عقوبتها أشد من هذا.

صفوة التفاسير · الصفحة ٦٦٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

صفوة التفاسيرص ٦٦٢