تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

" كان صلى الله عليه وسلم إذا رأى غيما أو ريحا عرف في وجهه، فقلت يا رسول الله: الناس إذا رأوا الغيم فرحوا رجاء أن يكون فيه المطر، وأراك إذا رأيته عرف في وجهك الكراهية؟ فقال يا عائشة: ما يؤمنني أن يكون فيه عذاب، عذب قوم بالريح "

، وقد رأى قوم العذاب فقالوا ﴿ هذا عارض ممطرنا ﴾ ﴿ فأصبحوا لا يرى إلا مساكنهم ﴾ أي فأصبحوا هلكى لا ترى إلا مساكنهم، لأن الريح لم تبق منهم إلا الآثار والديار خاوية ﴿ كذلك نجزي القوم المجرمين ﴾ أي بمثل هذه العقوبة الشديدة نعاقب من كان عاصيا مجرما قال الرازي: والمقصود منه تخويف أهل مكة، ولهذا قال بعده ﴿ ولقد مكناهم فيمآ إن مكناكم فيه ﴾ " إن " نافية بمعنى " ما " أي ولقد مكنا عادا في الذي لم نمكنكم فيه يأ أهل مكة من القوة، والسعة، وطول الأعمار، وهو خطاب لكفار مكة على وجه التهديد ﴿ وجعلنا لهم سمعا وأبصارا وأفئدة ﴾ أي وأعطيناهم الأسماع والأبصار والقلوب، ليعرفوا تلك النعم ويستدلوا بها على الخالق المنعم ﴿ فمآ أغنى عنهم سمعهم ولا أبصارهم ولا أفئدتهم من شيء ﴾ أي فما نفعتهم تلك الحواس أي نفع، ولا دفعت عنهم شيئا من عذاب الله قال الإمام الفخر: المعنى أنا فتحنا عليهم أبواب النعم: أعطيناهم سمعا فما استعملوه في سماع الدلائل، وأعطيناهم أبصارا فما استعملوها في تأمل العبر، وأعطيناهم أفئدة فما استعملوها في طلب معرفة الله، بل صرفوا كل هذه القوى إلى طلب الدينا ولذاتها، فلا جرم أنها لم تغن عنهم من عذاب الله شيئا ﴿ إذ كانوا يجحدون بآيات الله ﴾ تعليل لما سبق أي لأنهم كانوا يكفرون وينكرون آيات الله المنزلة على رسله ويكذبون رسله ﴿ وحاق بهم ما كانوا به يستهزئون ﴾ أي ونزل وأحاط بهم العذاب الذي كانوا يستعجلون به بطريق الاستهزاء ﴿ ولقد أهلكنا ما حولكم من القرى ﴾ تخويف آخر لكفار مكة أي ولقد أهلكنا القرى المجاورة لكم يا أهل مكة والمحيطة بكم، كقرى عاد وثمود وسبأ وقوم لوط، والمراد بإهلاك القرى إهلاك أهلها ﴿ وصرفنا الآيات لعلهم يرجعون ﴾ أي وكررنا الحجج والدلالات، والمواعظ والبينات، أوضحناها وبيناها لهم لعلهم يرجعون عن كفرهم وضلالهم ﴿ فلولا نصرهم الذين اتخذوا من دون الله قربانا آلهة ﴾ أي فهلا نصرتهم آلهتهم التي تقربوا بها إلى الله بزعمهم، وجعلوها شفعاءهم لتدفع عنهم العذاب؟! و " لولا " تحضيضية بمعنى هلا ومعناها النفي أي لم تنصرهم آلهتهم ولم تدفع عنهم عذاب الله ﴿ بل ضلوا عنهم ﴾ أي غابوا عن نصرتهم وهم أحوج ما يكونون إليهم، فإن الصديق وقت الضيق قال أبو السعود: وفي الآية تهكم بهم كأن عدم نصرهم كان لغيبتهم ﴿ وذلك إفكهم وما كانوا يفترون ﴾ أي وذلك الذي أصابهم هو كذبهم وافتراؤهم على الله، حيث زعموا أن الأصنام شركاء الله وشفعاء لهم عند الله ﴿ وإذ صرفنآ إليك نفرا من الجن يستمعون القرآن ﴾ أي واذكر يا محمد حين وجهنا إليك وبعثنا جماعة من الجن ليستمعوا القرآن قال البيضاوي: والنفر دون العشرة، روي أنهم وافوا رسول الله صلى الله عليه وسلم بوادي النخلة عند منصرفه من الطائف يقرأ في تهجده القرآن ﴿ فلما حضروه قالوا أنصتوا ﴾ أي فلما حضروا القرآن عند تلاوته قال بعضهم لبعض: اسكتوا لاستماع القرآن قال القرطبي: هذا توبيخ لمشركي قريش، أي إن الجن سمعوا القرآن فآمنوا به وعلموا أنه من عند الله، وأنتم معرضون مصرون على الكفر ﴿ فلما قضي ولوا إلى قومهم منذرين ﴾ أي فلما فرغ من قراءة القرآن رجعوا إلى قومهم مخوفين لهم من عذاب الله إن لم يؤمنوا قال الرازي: وذلك لا يكون إلا بعد إيمانهم، لأنهم لا يدعون غيرهم إلى استماع القرآن والتصديق به إلا وقد آمنوا ﴿ قالوا يقومنآ إنا سمعنا كتابا أنزل من بعد موسى ﴾ أي سمعنا كتابا رائعا مجيدا منزلا على رسول من بعد موسى قال ابن عباس: إن الجن لم تكن قد سمعت بأمر عيسى عليه السلام ﴿ مصدقا لما بين يديه ﴾ أي مصدقا لما قبله من التوراة ﴿ يهدي إلى الحق وإلى طريق مستقيم ﴾ أي هذا القرآن يرشد إلى الحق المبين، وإلى دين الله القويم ﴿ يقومنآ أجيبوا داعي الله وآمنوا به ﴾ أي أجيبوا محمدا صلى الله عليه وسلم فيما يدعوكم إليه من الإيمان وصدقوا برسالته ﴿ يغفر لكم من ذنوبكم ﴾ أي يمحو الله عنكم الذنوب والآثام ﴿ ويجركم من عذاب أليم ﴾ أي ويخلصكم وينجكم من عذاب شديد مؤلم ﴿ ومن لا يجب داعي الله فليس بمعجز في الأرض ﴾ هذا ترهيب بعد الترغيب أي ومن لم يؤمن بالله ويستجب لدعوة رسوله، فإنه لا يفوت الله طلبا، ولا يعجزه هربا ﴿ وليس له من دونه أوليآء ﴾ أي وليس له أنصار يمنعونه من عذاب الله ﴿ أولئك في ضلال مبين ﴾ أي أولئك الذين لا يستجيبون لدعوة الله في خسران واضح، وإلى هنا آخر كلام الجن الذين سمعوا القرآن، ثم ذكر تعالى الأدلة على قدرته ووحدانيته فقال ﴿ أولم يروا أن الله الذي خلق السموت والأرض ﴾ أي أولم يعلم هؤلاء الكفار المنكرون للبعث والنشور أن الله العظيم القدير الذي خلق السماوات والأرض ابتداء من غير مثال سابق ﴿ ولم يعي بخلقهن ﴾ أي ولم يضعف ولم يتعب بخلقهن ﴿ بقادر على أن يحيي الموتى ﴾؟ أي قادر على أن يعيد الموتى بعد الفناء، ويحييهم بعد تمزق الأشلاء؟ ﴿ بلى إنه على كل شيء قدير ﴾ أي بلى إنه تعالى قادر لا يعجزه شيء، فكما خلقهم يعيدهم ﴿ ويوم يعرض الذين كفروا على النار ﴾ أي واذكر يا محمد لهؤلاء المشركين الأهوال والشدائد التي يرونها في الآخرة، وذكرهم يوم يعرضون على النار فيقال لهم ﴿ أليس هذا بالحق ﴾؟ أي أليس هذا العذاب الذي تذوقونه حق؟

صفوة التفاسير · الصفحة ٦٤٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

صفوة التفاسيرص ٦٤٦