. وهنا تأخذ فرعون العزة بالإثم، ويستبد به الجبروت والطغيان ﴿ قال فرعون مآ أريكم إلا مآ أرى ﴾ أي ما أشير عليكم برأي سوى ما ذكرته من قتل موسى حسما لمادة الفتنة ﴿ ومآ أهديكم إلا سبيل الرشاد ﴾ أي وما أهديكم بهذا الرأي إلا طريق الصواب والصلاح ﴿ وقال الذي آمن يقوم إني أخاف عليكم مثل يوم الأحزاب ﴾ أي أخشى عليكم مثل أيام العذاب التي عذب بها المتحزبون على الأنبياء ﴿ مثل دأب قوم نوح وعاد وثمود ﴾ هذا تفسير للأحزاب أي مثل عادة قوم نوع وعاد وثمود وما أصابهم من العذاب والدمار بتكذيبهم لرسلهم ﴿ والذين من بعدهم ﴾ أي والمكذبين بعد أولئك كقوم لوط ﴿ وما الله يريد ظلما للعباد ﴾ أي لا يعاقب العباد بدون ذنب قال الزمخشري: أي إن تدميرهم كان عدلا وقسطا لأنهم استوجبوه بأعمالهم، وفيه مبالغة حيث جعل المنفي إرادة الظلم، ومن كان بعيدا عن إرادة الظلم، كان عن الظلم أبعد ﴿ ويقوم إني أخاف عليكم يوم التناد ﴾ خوفهم بعذاب الآخرة بعد أن خوفهم بعذاب الدنيا والمعنى إني أخاف عليكم من ذلك اليوم الرهيب يوم الحشر الأكبر، حيث ينادي المجرمون بالويل والثبور
دعوا هنالك ثبورا
[الفرقان: 13] ﴿ يوم تولون مدبرين ﴾ أي تولون منهزمين من هول عذاب جهنم قال المفسرون: إن الكفار إذا سمعوا زفير النار أدبروا هاربين، فلا يأتون قطرا من الأقطار إلا وجدوا الملائكة يتلقونهم يضربون وجوههم، فيرجعون إلى مكانهم فتتلقفهم جنهم ﴿ ما لكم من الله من عاصم ﴾ أي ليس لكم مانع ولا دافع يصرف عنكم عذاب الله ﴿ ومن يضلل الله فما له من هاد ﴾ أي ومن يضلله الله فليس له من يهديه إلى طريق النجاة ﴿ ولقد جآءكم يوسف من قبل بالبينات ﴾ أي ووالله لقد جاءكم يوسف بن يعقوب من قبل موسى بالمعجزات الظاهرات ﴿ فما زلتم في شك مما جآءكم به ﴾ أي فلم تزالوا شاكين في رسالته كافرين بما جاء به من عند الله قال المفسرون: المراد آباؤكم وأصولكم ﴿ حتى إذا هلك قلتم لن يبعث الله من بعده رسولا ﴾ أي حتى إذا مات قلتم على سبيل التشهي والتمني من غير حجة ولا برهان لن يأتي أحد يدعي الرسالة بعد يوسف قال أبو حيان: وليس هذا تصديقا لرسالة يوسف، كيف وما زالوا في شك منه، وإنما المعنى لا رسول من عند الله فيبعثه إلى الخلق، ففيه نفي الرسول ونفي بعثته ﴿ كذلك يضل الله من هو مسرف مرتاب ﴾ أي مثل ذلك الضلال الفظيع يضل الله كل مسرف في العصيان، شاك في الدين، بعد وضوح الحجج والبراهين ﴿ الذين يجادلون في آيات الله بغير سلطان أتاهم ﴾ هذا من تتمة كلام الرجل المؤمن والمعنى الذين يجادلون في شريعة الله بغير حجة وبرهان جاءهم من عند الله ﴿ كبر مقتا عند الله وعند الذين آمنوا ﴾ أي عظم بغضا عند الله وعند المؤمنين جدالهم بغير برهان قال في البحر: عدل الواعظ عن مخاطبتهم إلى الإسم الغائب، لحسن محاورته لهم واستجلاب قلوبهم، لئلا يفجأهم بالخطاب، وفي قوله ﴿ كبر مقتا ﴾ ضرب من التعجب والاستعظام لجدالهم، كأنه خارج عن حد أمثاله من الكبائر ﴿ كذلك يطبع الله على كل قلب متكبر جبار ﴾ أي كما ختم على قلوب هؤلاء المجادلين كذلك يختم بالضلال على قلب كل متكبر عن الإيمان، متجبر على العباد، حتى لا يعقل الرشاد، ولا يقبل الحق، وإنما وصف القلب بالتكبر والجبروت لكونه مركزهما ومنبعهما، وهو سلطان الأعضاء، فمتى فسد فسدت ﴿ وقال فرعون يهامان ابن لي صرحا ﴾ أي قال فرعون لوزيره هامان ابن لي قصرا عاليا، وبناء شامخا منيفا قال القرطبي: لما قال مؤمن آل فرعون ما قال، وخاف فروع أن يتمكن كلامه في قلوب القوم، أوهم أنه يمتحن ما جاء به موسى من التوحيد، فأمر وزيره هامان ببناء الصرح ﴿ لعلي أبلغ الأسباب * أسباب السموت ﴾ أي لعلي أصل وأنتهي إلى طرق السماوات وما يؤدي إليها، وكررها للتفخيم والبيان ﴿ فأطلع إلى إله موسى ﴾ أي فأنظر إلى إله موسى نظر عيان ﴿ وإني لأظنه كاذبا ﴾ أي وإني لأعتقد موسى كاذبا في ادعائه أن له إلها غيري قال أبو حيان: وبلوغ أسباب السماوات غير ممكن، لكن فرعون أبرزه في صورة الممكن تمويها على سامعيه، ولما قال ﴿ فأطلع إلى إله موسى ﴾ كان ذلك إقرارا بالإله فلذلك استدرك هذا الإقرار بقوله ﴿ وإني لأظنه كاذبا ﴾ ﴿ وكذلك زين لفرعون سوء عمله ﴾ أي ومثل ذلك التزيين زين لفرعون عمله السيء حتى رآه حسنا ﴿ وصد عن السبيل ﴾ أي ومنع بضلاله عن طريق الهدى ﴿ وما كيد فرعون إلا في تباب ﴾ أي وما تدبير فرعون ومكره إلا في خسار وهلاك، خسر ملكه في الدنيا بالغرق، وفي الآخرة بالخلود في النار ﴿ وقال الذي آمن يقوم اتبعون أهدكم سبيل الرشاد ﴾ كرر مؤمن آل فرعون نصحه لهم بعد تلك المراوغة التي لقيها من فرعون، ودعا قومه إلى الإيمان بالله الواحد الأحد، وكشف لهم عن قيمة الحياة الزائلة، وشوقهم إلى نعيم الحياة الباقية، وحذرهم من عذاب الله ومعنى الآية: امتثلوا يا قوم أمري واسلكوا طريقي أرشدكم إلى طريق الفوز والنجاة - طريق الجنة - ﴿ يقوم إنما هذه الحياة الدنيا متاع ﴾ أي ليست الدنيا إلا متاعا زائلا، لا ثبات له ولا دوام ﴿ وإن الآخرة هي دار القرار ﴾ أي وإن الدار الآخرة هي دار الاستقرار والخلود، التي لا زوال لها ولا انتقال منها، فإما خلود في النعيم، أو خلود في الجحيم قال القرطبي: ومراده بالدار الآخرة الجنة والنار لأنهما لا يفنيان ﴿ من عمل سيئة فلا يجزى إلا مثلها ﴾ أي من عمل في هذه الدنيا سيئة فلا يعاقب في الآخرة إلا بمقدارها دون زيادة، رحمة منه تعالى بالعباد ﴿ ومن عمل صالحا من ذكر أو أنثى وهو مؤمن ﴾ أي ومن فعل في الدنيا العمل الصالح سواء كان ذكرا أو أنثى بشرط الإيمان ﴿ فأولئك يدخلون الجنة يرزقون فيها بغير حساب ﴾ أي فأولئك المحسنون يدخلون جنات النعيم، ويعطون جزاءهم بغير تقدير، بل أضعافا مضاعفة فضلا من الله وكرما، فقد اقتضى فضله تعالى أن تضاعف الحسنات دون السيئات قال ابن كثير: ﴿ بغير حساب ﴾ أي لا يتقدر بجزاء، بل يثيبه الله ثوابا كثيرا عظيما، لا انقضاء له ولا نفاد ﴿ ويقوم ما لي أدعوكم إلى النجاة وتدعونني إلى النار ﴾؟ أي ما لي أدعوكم إلى الإيمان الموصل إلى الجنان، وتدعونني إلى الكفر الموصل إلى النار؟ والاستفهام للتعجب كأنه يقول: أنا أتعجب من حالكم هذه، أدعوكم إلى النجاة والخير، وتدعونني إلى النار والشر؟ ثم وضح ذلك بقوله ﴿ تدعونني لأكفر بالله وأشرك به ما ليس لي به علم ﴾ أي تدعونني للكفر بالله، وأن أعبد ما ليس لي علم بربويته، وما ليس بإله كفرعون ﴿ وأنا أدعوكم إلى العزيز الغفار ﴾ أي وأنا أدعوكم إلى عبادة الله الواحد الأحد، العزيز الذي لا يغلب، الغفار لذنوب العباد ﴿ لا جرم أنما تدعونني إليه ﴾ أي حقا إنما تدعونني لعبادته ﴿ ليس له دعوة في الدنيا ولا في الآخرة ﴾ أي لا يصلح أن يعبد لأنه لا يستجيب لنداء داعيه، ولا يقدر على تفريج كربته لا في الدنيا ولا في الآخرة ﴿ وأن مردنآ إلى الله ﴾ أي وأن مرجعنا إلى الله وحده فيجازي كلا بعمله ﴿ وأن المسرفين هم أصحاب النار ﴾ أي وأن المسرفين في الضلال والطغيان سيخلدون في النار ﴿ فستذكرون مآ أقول لكم ﴾ أي فستذكرون صدق كلامي عندما يحل بكم العذاب، وهو تهديد ووعيد ﴿ وأفوض أمري إلى الله ﴾ أي أتوكل على الله، وأسلم أمري إليه قال القرطبي: وهذا يدل على أنهم هددوه وأرادوا قتله ﴿ إن الله بصير بالعباد ﴾ أي مطلع أعمالهم، لا تخفى عليه خافية من أحوالهم ﴿ فوقاه الله سيئات ما مكروا ﴾ أي فنجاه الله من شدائد مكرهم، ومن أنواع العذاب الذي أرادوا إلحاقه به ﴿ وحاق بآل فرعون سوء العذاب ﴾ أي ونزل بفرعون وجماعته أسوأ العذاب، وهو الغرق في الدنيا، والحرق في الآخرة، ثم فسره بقوله ﴿ النار يعرضون عليها غدوا وعشيا ﴾ أي النار يحرقون بها صباحا ومساء قال المفسرون: المراد بالنار هنا نار القبر وعذابهم في القبور بدليل قوله بعده ﴿ ويوم تقوم الساعة أدخلوا آل فرعون أشد العذاب ﴾ أي ويوم القيامة يقال للملائكة: ادخلوا فرعون وقومه نار جهنم التي هي أشد من عذاب الدنيا.