تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

. ولما ذكر تعالى ما يوجب التهديد الشديد للمشركين، أردفه بذكر ما يدل على كمال قدرته وحكمته ليصير بمنزلة البرهان على عدم جواز عبادة الأوثان فقال ﴿ هو الذي يريكم آياته ﴾ أي الله جل وعلا هو الذي يريكم أيها الناس العلامات الدالة على قدرته الباهرة في مخلوقاته، في العالم العلوي والسفلي الدالة على كمال خالقها ومبدعها ومنشئها ﴿ وينزل لكم من السمآء رزقا ﴾ أي وينزل لكم من السماء المطر الذي هو سبب للرزق، وبه تخرج الزروع والثمار ﴿ وما يتذكر إلا من ينيب ﴾ أي وما يعتبر ويتعظ بهذه الآيات الباهرة، إلا من يرجع إلى الله بالتوبة والإنابة، والعمل الصالح البعيد عن الرياء والنفاق ﴿ فادعوا الله مخلصين له الدين ﴾ أي فاعبدوا الله أيها المؤمنون مخلصين له العبادة والطاعة ولا تعبدوا معه غيره ﴿ ولو كره الكافرون ﴾ هذا للمبالغة أي اعبدوه وأخلصوا له قلوبكم، حتى ولو كره الكافرون وذلك، وغاظهم إخلاصكم وقاتلوكم عليه ﴿ رفيع الدرجات ﴾ أي عظيم الشأن والسلطان، صاحب الرفعة والمقام العالي ﴿ ذو العرش ﴾ أي صاحب العرش العظيم، الذي هو أعظم المخلوقات، ولا شيء يشبهه من مخلوقات الله قال ابن كثير: أخبر تعالى عن عظمته وكبريائه، وارتفاع عرشه العظيم العالي على جميع مخلوقاته كالسقف لها، وقد ذكر أن العرش من ياقوتة حمراء ولا يعلم سعته إلا الله وقال أبو السعود: وكون العرش العظيم المحيط بأكناف العالم العلوي والسفلي، تحت ملكوته وقبضة قدرته، مما يقضي بكون علو شأنه وعظم سلطانه، في غاية لا غاية وراءها ﴿ يلقي الروح من أمره على من يشآء من عباده ﴾ أي ينزل الوحي على من شاء من خلقه، ويختص بالرسالة والنبوة من أراد من عباده، وإنما سمى الوحي روحا لأنه يسري في القلوب كسريان الروح في الجسد قال القرطبي: سماه روحا لأن الناس يحيون به من موت الكفر كما تحيا الأبدان بالأرواح ﴿ لينذر يوم التلاق ﴾ أي ليخوف الرسول الموحى إليه يوم القيامة الكبرى، حيث يلتقي العباد جميعا ليحاسبوا على أعمالهم، ويلتقي الخلق بالخالق في ساعة الحساب قال قتادة: يلتقي فيه أهل السماء بأهل الأرض، والخالق والخلق ﴿ يوم هم بارزون ﴾ أي يوم هم ظاهرون بادون للعيان، لا شيء يكنهم ولا يظلهم ولا يسترهم من جبل أو أكمة أو بناء، لأنهم في أرض مستوية هي أرض المحشر ﴿ لا يخفى على الله منهم شيء ﴾ أي لا يخفى على الله شيء من أحوالهم وأعمالهم ولا من سرائرهم وبواطنهم قال الصاوي: والحكمة في تخصيص ذلك اليوم - مع أن الله لا يخفى عليه شيء في سائر الأيام - أنهم كانوا يتوهمون في الدنيا أنهم إذا استتروا بالحيطان مثلا لا يراهم الله، وفي هذا اليوم لا يتوهمون هذا التوهم ﴿ لمن الملك اليوم ﴾؟ أي ينادي الله سبحانه والناس بارزون في أرض المحشر: لمن الملك اليوم؟ ويسكت الخلائق هيبة لله تعالى وفزعا، فيجيب تعالى نفسه قائلا ﴿ لله الواحد القهار ﴾ أي لله المتفرد بالملك، الذي قهر بالغلبة كل ما سواه قال الحسن: هو تعالى السائل وهو المجيب، لأنه يقول ذلك حين لا أحد يجيبه، فيجيب نفسه ﴿ اليوم تجزى كل نفس بما كسبت ﴾ أي في ذلك اليوم - يوم القضاء والفصل بين العباد - تجازى كل نفس بما عملت من خير أو شر ﴿ لا ظلم اليوم ﴾ أي لا يظلم أحد شيئا، لا بنقص ثواب، ولا بزيادة عقاب ﴿ إن الله سريع الحساب ﴾ أي سريع حسابه، لا يشغله شأن عن شأن، فيحاسب الخلائق جميعا في وقت واحد قال القرطبي: كما يرزقهم في ساعة واحدة، يحاسبهم كذلك في ساعة واحدة، وفي الخبر:

" لا ينتصف النهار حتى يقيل أهل الجنة في الجنة، وأهل النار في النار "

﴿ وأنذرهم يوم الأزفة ﴾ أي خوفهم ذلك اليوم الرهيب يوم القيامة قال ابن كثير: " الآزفة " اسم من أسماء القيامة، سميت بذلك لقربها كقوله تعالى

صفوة التفاسير · الصفحة ٦٠٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

صفوة التفاسيرص ٦٠٠