﴿ خلقكم من نفس واحدة ﴾ أي خلقكم أيها الناس من نفس واحدة هي آدم، وهذا من جملة أدلة وحدانيته، وانفراده بالعزة والقهر، وجميع صفات الألوهية ﴿ ثم جعل منها زوجها ﴾ أي ثم خلق من آدم حواء ليحصل التجانس والتناسل قال الطربي: المعنى: ﴿ خلقكم من نفس واحدة ﴾ يعني آدم (ثم خلق منها زوجها) يعني حواء خلقها من ضلع من أضلاعه ﴿ وأنزل لكم من الأنعام ثمانية أزواج ﴾ أي وأوجد لكم من الأنعام المأكولة وهي الإبل، والبقر، والغنم، والمعز، ثمانية أزواج من كل نوع ذكرا وأنثى قال قتادة: من الإبل اثنين، ومن البقر اثنين، ومن الضأن اثنين، ومن المعز اثنين، كل واحد زوج، وسميت أزواجا لأن الذكر زوج الأنثى، والأنثى زوج الذكر قال المفسرون: والإنزال عبارة عن نزول أمره وقضائه ﴿ يخلقكم في بطون أمهاتكم خلقا من بعد خلق ﴾ أي يخلقكم في بطون أمهاتكم أطوارا، فإن الإنسان يكون نطفة، ثم علقة، ثم مضغة إلى أن يتم خلقه، ثم ينفخ فيه الروح فيصير خلقا آخر ﴿ في ظلمات ثلاث ﴾ هي البطن، والرحم، والمشيمة، وهو الكيس الذي يغلف الجنين ﴿ ذلكم الله ربكم ﴾ أي ذلكم الخالق المبدع المصور هو الله رب العالمين، ربكم ورب آبائكم الأولين ﴿ له الملك ﴾ أي له الملك والتصرف التام، في الإيجاد والإعدام ﴿ لا إله إلا هو ﴾ أي لا معبود بحق إلا الله ولا رب لكم سواه ﴿ فأنى تصرفون ﴾؟ أي فكيف تنصرفون عن عبادته إلى عبادة غيره؟ ثم بعد أن ذكرهم بآياته ونعمه، حذرهم من الكفر والجحود لفضله وإحسانه فقال ﴿ إن تكفروا فإن الله غني عنكم ﴾ أي إن تكفروا أيها الناس بعدما شاهدتم من آثار قدرته وفنون نعمائه، فإن الله مستغن عنكم وعن إيمانكم وشكركم وعبادتكم ﴿ ولا يرضى لعباده الكفر ﴾ أي لا يرضى الكفر لأحد من البشر قال الرازي: أشار تعالى إلى أنه وإن كان لا ينفعه إيمان، ولا يضره كفران، إلا أنه لا يرضى بالكفر بمعنى أنه لا يمدح صاحبه ولا يثيبه عليه وإن كان واقعا بمشيئته وقضائه ﴿ وإن تشكروا يرضه لكم ﴾ أي وإن تشكروا ربكم يرضى هذا الشكر منكم، لأجلكم ومنفعتكم لا لانتفاعه بطاعتكم قال أبو السعود: عدم رضائه بكفر عباده لأجل منفعتهم ودفع مضرتهم، رحمة بهم لا لتضرره تعالى بذلك، ورضاه بشكرهم لأجلهم ومنفعتهم لأنه سبب فوزهم بسعادة الدارين، ولهذا فرق بين اللفظين فقال " ولا يرضى لعباده الكفر " وقال هنا " يرضه لكم " لأن المراد بالأول تعميم الحكم ثم تعليله بكونهم عباده ﴿ ولا تزر وازرة وزر أخرى ﴾ أي ولا تحمل نفس ذنب نفس أخرى، بل كل يؤاخذ بذنبه ﴿ ثم إلى ربكم مرجعكم ﴾ أي ثم مرجعكم ومصيركم إليه تعالى ﴿ فينبئكم بما كنتم تعملون ﴾ أي فيحاسبكم ويجازيكم على أعمالكم ﴿ إنه عليم بذات الصدور ﴾ أي يعلم ما تكنه السرائر وتخفيه الضمائر، وفيه تهديد وبشارة للمطيع ﴿ وإذا مس الإنسان ضر ﴾ أي وإذا أصاب الإنسان الكافر شدة من فقر ومرض وبلاء ﴿ دعا ربه منيبا إليه ﴾ أي تضرع إلى ربه في إزالة تلك الشدة، مقبلا إليه مخبتا مطيعا ﴿ ثم إذا خوله نعمة منه ﴾ أي ثم إذا أعطاه نعمة منه وفرج عنه كربته ﴿ نسي ما كان يدعو إليه من قبل ﴾ أي نسي الضر الذي كان يدعو ربه لكشفه وتمرد وطغى ﴿ وجعل لله أندادا ليضل عن سبيله ﴾ أي وجعل لله شركاء في العبادة ليصد عن دين الله وطاعته ﴿ قل تمتع بكفرك قليلا ﴾ أمر للتهديد أي تمتع بهذه الحياة الدنيا الفانية، وتلذذ فيها وأنت على كفرك، عمرا قليلا وزمنا يسيرا ﴿ إنك من أصحاب النار ﴾ أي فمصيرك إلى نار جهنم، وأنت من المخلدين فيها ﴿ أمن هو قانت آنآء اليل ساجدا وقآئما ﴾ استفهام حذف جوابه لدلالة الكلام عليه أي أم من هو مطيع عابد في ساعات الليل يتعبد ربه في صلاته ساجدا وقائما كمن أشرك بالله وجعل له أندادا؟ قال القرطبي: بين تعالى أن المؤمن ليس كالكافر الذي مضى ذكره ﴿ يحذر الآخرة ويرجوا رحمة ربه ﴾ أي حال كونه خائفا من عذاب الآخرة، راجيا رحمة ربه وهي الجنة، هل يستوي هذا المؤمن التقي مع ذلك الكافر الفاجر؟ لا يستوون عند الله، ثم ضرب مثلا فقال ﴿ قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون ﴾؟ أي هل يتساوى العالم والجاهل؟ فكما لا يستوي هذان كذلك لا يستوي المطيع والعاصي ﴿ إنما يتذكر أولوا الألباب ﴾ أي إنما يعتبر ويتعظ أصحاب العقول السليمة قال الإمام الفخر: واعلم أن هذه الآية دالة على أسرار عجيبة، فأولها أنه بدأ فيها بذكر العمل، وختم فيها بذكر العلم، أما العمل فهو القنوت، والسجود، والقيام، وأما العلم ففي قوله ﴿ قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون ﴾؟ وهذا يدل على أن كمال الإنسان محصور في هذين المقصودين، فالعمل هو البداية، والعلم والمكاشفة هو النهاية، وفي الكلام حذف تقديره أمن هو قانت كغيره؟ وإنما حسن هذا الحذف لدلالة الكلام عليه، لأنه تعالى ذكر قبل هذه الآية الكافر، ثم مثل بالذين يعلمون، وفيه تنبيه عظيم على فضيلة العلم ﴿ قل يعباد الذين آمنوا اتقوا ربكم ﴾ أي قل يا محمد لعبادي المؤمنين يجمعوا بين الإيمان وتقوى الله وهي البعد عن محارم الله قال المفسرون: نزلت في جعفر بن أبي طالب وأصحابه حين عزموا على الهجرة إلى أرض الحبشة والغرض منها التأنيس لهم والتنشيط إلى الهجرة ومعنى التقوى: امتثال الأوامر، واجتناب النواهي، وكأن العبد بذلك يجعل بينه وبين النار وقاية ﴿ للذين أحسنوا في هذه الدنيا حسنة ﴾ أي لمن أحسن العمل في هذه الدنيا حسنة عظيمة في الآخرة وهي الجنة دار الأبرار ﴿ وأرض الله واسعة ﴾ أي وأرض الله فسيحة فهاجروا من دار الكفر إلى دار الإيمان، ولا تقيموا في أرض لا تتمكنون فيها من إقامة شعائر الله ﴿ إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب ﴾ أي إنما يعطى الصابرون جزاءهم بغير حصر، وبدون عدد أو وزن قال الأوزاعي: ليس يوزن لهم ولا يكال إنما يغرف غرفا ﴿ قل إني أمرت أن أعبد الله مخلصا له الدين ﴾ أي قل يا محمد أمرت بإخلاص العبادة لله وحده لا شريك له قال المفسرون: وإنما خص الله تعالى الرسول بهذا الأمر لينبه على أن غيره بذلك أحق فهو كالترغيب للغير ﴿ وأمرت لأن أكون أول المسلمين ﴾ أي وأمرت أيضا بأن أكون أول المسلمين من هذه الأمة قال القرطبي: وكذلك كان، فإنه أول من خالف دين آبائه وخلع الأصنام وحطمها، وأسلم وجهه لله وآمن به ودعا إليه ﴿ قل إني أخاف إن عصيت ربي عذاب يوم عظيم ﴾ أي وأخاف إن عصيت أمره أن يعذبني يوم القيامة بنار جهنم قال الصاوي: والمقصود منها زجر الغير عن المعاصي، لأنه صلى الله عليه وسلم إذا كان خائفا مع كمال طهارته وعصمته فغيره أولى، وذلك سنة الأنبياء والصالحين حيث يخبرون غيرهم بما اتصفوا به ليكونوا مثلهم ﴿ قل الله أعبد مخلصا له ديني ﴾ أي قل لهم يا محمد لا أعبد إلا الله وحده، مخلصا له طاعتي وعبادتي من كل شائبة، وليس هذا بتكرار لأن الأول إخبار بأنه صلى الله عليه وسلم مأمور بالعبادة، والثاني إخبار بخوفه من عذاب الله إن عصى أمره، والثالث إخبار بامتثاله الأمر مع إفادة الحصر كأنه يقول: أعبد الله ولا أعبد أحدا سواه ﴿ فاعبدوا ما شئتم من دونه ﴾ صيغة أمر على جهة التهديد والوعيد أي اعبدوا ما شئتم من دون الله من الأوثان والأصنام فسوف ترون عاقبة كفركم كقوله
صفوة التفاسير · الصفحة ٥٨٨
النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.
صفوة التفاسيرص ٥٨٨
إعدادات القراءة
حجم الخط
تباعد الأسطر
الخط
عرض النص
الألوان
الحركات
الحواشي