تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

لئن شكرتم لأزيدنكم

[إبراهيم: 7] ﴿ ومن كفر فإن ربي غني كريم ﴾ أي ومن لم يشكر وجحد فضل الله فإن الله مستغن عنه وعن شكره، كريم بالإنعام على من كفر نعمته.. ولما قرب وصول ملكة سبأ إلى بلاده أمر بأن تغير بعض معالم عرشها امتحانا لها ﴿ قال نكروا لها عرشها ﴾ أي غيروا بعض أوصافه وهيئته كما يتنكر الإنسان حتى لا يعرف ﴿ ننظر أتهتدي أم تكون من الذين لا يهتدون ﴾ أي لننظر إذا رأته هل تهتدي إلى أنه عرشها وتعرفه أم لا؟ أراد بذلك اختبار ذكائها وعقلها ﴿ فلما جآءت قيل أهكذا عرشك ﴾؟ أي أمثل هذا العرش الذي رأيتيه عرشك؟ ولم يقل: أهذا عرشك؟ لئلا يكون تلقينا لها ﴿ قالت كأنه هو ﴾ أي يشبهه ويقاربه ولم تقل: نعم هو، ولا ليس هو قال ابن كثير: وهذا غاية في الذكاء والحزم ﴿ وأوتينا العلم من قبلها وكنا مسلمين ﴾ هذا من قول سليمان أي قال سليمان تحدثا بنعمة الله: لقد أوتينا العلم من قبل هذه المرأة بالله وبقدرته وكنا مسلمين لله من قبلها، فنحن أسبق منها علما وإسلاما ﴿ وصدها ما كانت تعبد من دون الله ﴾ أي منعها عن الإيمان بالله عبادتها القديمة للشمس والقمر ﴿ إنها كانت من قوم كافرين ﴾ أي بسبب كفرها ونشوئها بين قوم مشركين ﴿ قيل لها ادخلي الصرح ﴾ أي ادخلي القصر العظيم الفخم ﴿ فلما رأته حسبته لجة وكشفت عن ساقيها ﴾ أي فلما رأت ذلك الصرح الشامخ ظنته لجة ماء - أي ماء غمرا كثيرا - وكشفت عن ساقيها لتخوض فيه ﴿ قال إنه صرح ممرد من قوارير ﴾ أي قال سليمان: إنه قصر مملس من الزجاج الصافي ﴿ قالت رب إني ظلمت نفسي ﴾ أي قالت بلقيس حينئذ: رب إني ظلمت نفسي بالشرك وعبادة الشمس ﴿ وأسلمت مع سليمان لله رب العالمين ﴾ أي وتابعت سليمان على دينة فدخلت في الإسلام مؤمنة برب العالمين، قال ابن كثير: والغرض أن سليمان عليه السلام اتخذ قصرا عظيما منيفا من زجاج لهذه الملكة، ليريها عظمة سلطانه وتمكنه، فلما رأت ما آتاه الله وجلالة ما هو فيه وتبصرت في أمره، انقادت لأمر الله تعالى وعرفت أنه نبي كريم، وملك عظيم، وأسلمت لله عز وجل.

البلاغة: تضمنت الآيات الكريمة وجوها من البيان والبديع نوجزها فيما يلي:

1- أسلوب التعجب ﴿ مالي لا أرى الهدهد ﴾؟

2- التأكيد المكرر ﴿ لأعذبنه.. أو لأاذبحنه.. أو ليأتيني ﴾ لتأكيد الأمر.

3- طباق السلب ﴿ أحطت بما لم تحط به ﴾ وكذلك ﴿ تهتدي.. لا يهتدون ﴾.

4- الجناس اللطيف ﴿ وجئتك من سبإ بنبإ ﴾ ويسمى الجناس الناقص لتبدل بعض الحروف.

5- الطباق في اللفظ ﴿ تخفون.. وتعلنون ﴾ وكذلك ﴿ أأشكر أم أكفر ﴾.

6- الطباق في المعنى ﴿ أصدقت أم كنت من الكاذبين ﴾.

قال علماء البيان: والمطابقة هنا بالمعنى أبلغ من اللفظ لأنه عدول عن الفعل إلى الإسم فيفيد الثبات فلو قال " أصدقت أم كذبت " لما أدى هذا المعنى لأنه قد يكذب في هذا الأمر ولا يكذب في غيره، وأما قوله ﴿ أم كنت من الكاذبين ﴾ فإنه يفيد أنه إذا كان معروفا بالانخراط في سلك الكاذبين كان كاذبا لا محالة فلا يوثق به أبدا.

7- جناس الاشتقاق ﴿ أن تقوم من مقامك ﴾ وكذلك ﴿ أسلمت مع سليمان ﴾.

8- التشبيه ﴿ كأنه هو ﴾ أي كأنه عرشي في الشكل والوصف ويسمى " مرسلا مجملا ".

9- الاستعارة البديعة ﴿ قبل أن يرتد إليك طرفك ﴾ شبه سرعة مجيئه بالعرش برجوع الطرف للإنسان، وارتداد الطرف معناه التقاء الجفنين وهو أبلغ ما يمكن أن يوصف به في السرعة ومثله " وما أمر الساعة إلا كلمح البصر أو هو أقرب " فاستعار للسرعة الفائقة ارتداد الطرف.

10- توافق الفواصل في كثير من الآيات، ولها وقع في النفس رائع مثل ﴿ أم كان من الغآئبين ﴾ ﴿ أو ليأتيني بسلطان مبين ﴾ ﴿ وجئتك من سبإ بنبإ يقين ﴾ إلى آخر ما هنالك.

لطيفة: أخذ بعض العلماء من قوله تعالى ﴿ وتفقد الطير ﴾ استحباب تفقد الملك لأحوال الرعية، وكذلك تفقد الأصدقاء، والإخوان، والخلان وأنشد بعضهم:

صفوة التفاسير · الصفحة ٤٨٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

صفوة التفاسيرص ٤٨٠