تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

. دعاهم إلى الله بالترغيب والترهيب، وبلغ في دعائهم بالوعظ والتخويف النهاية القصوى في البيان فكان جوابهم ﴿ قالوا سوآء علينآ أوعظت أم لم تكن من الواعظين ﴾ أي يستوي عندنا تذكيرك لنا وعدمه، فلا نبالي بما تقول، ولا نرعوي عما نحن عليه قال أبو حيان: جعلوا قوله وعظا على سبيل الاستخفاف وعدم المبالاة بما خوفهم به إذ لم يعتقدوا صحة ما جاء به، وانه كاذب فيما ادعاه ﴿ إن هذا إلا خلق الأولين ﴾ أي ما هذا الذي جئتنا به إلا كذب وخرافات الأولين ﴿ وما نحن بمعذبين ﴾ أي لا بعث ولا جزاء ولا حساب ولا عذاب ﴿ فكذبوه فأهلكناهم ﴾ أي فكذبوا رسولهم هودا فأهلكناهم بريح صرصر عاتية قال ابن كثير: وكان إهلاكهم بالريح الشديدة الهبوب، ذات البرد الشديد وهي الريح الصرصر العاتية، وكان سبب إهلاكهم من جنسهم، فإنهم كانوا أعتى شيء وأجبره، فسلط الله عليهم ما هو أعتى منهم وأشد، فحصبت الريح كل شيء حتى كانت تأتي الرجل منهم فتقتلعه، وترفعه في الهواء ثم تنكسه على أم رأسه، فتشدخ رأسه ودماغه ﴿ إن في ذلك لآية ﴾ أي إن في إهلاكهم لعظة وعبرة ﴿ وما كان أكثرهم مؤمنين ﴾ أي وما آمن أكثر الناس مع رؤيتهم للآيات الباهرة ﴿ وإن ربك لهو العزيز الرحيم ﴾ أي وإن ربك يا محمد لهو العزيز في انتقامه من أعدائه، الرحيم بعباده المؤمنين، ثم شرع تعالى في ذكر قصة " صالح " فقال ﴿ كذبت ثمود المرسلين ﴾ أي كذبت قبيلة ثمود نبيهم " صالحا " ومن كذب رسولا ققد كذب جميع المرسلين ﴿ إذ قال لهم أخوهم صالح ألا تتقون ﴾؟ ألا تخافون عذاب الله وانتقامه في عبادتكم غيره! ﴿ إني لكم رسول أمين * فاتقوا الله وأطيعون * ومآ أسألكم عليه من أجر إن أجري إلا على رب العالمين ﴾ كررت الآيات للتنبيه على أن دعوة الرسل واحدة، فكل رسول يذكر قومه بالغاية من بعثته ورسالته، وأنها لصالح البشر ﴿ أتتركون في ما ههنآ آمنين ﴾ أي أيترككم ربكم في هذه الدنيا آمنين، مخلدين في النعيم، كأنكم باقون في الدنيا بلا موت؟ قال ابن عباس: كانوا معمرين لا يبقى البنيان مع أعمارهم، قال القرطبي: ودل على هذا قوله تعالى

واستعمركم فيها

[هود: 61] فقرعهم صالح ووبخهم وقال: أتظنون أنكم باقون في الدنيا بلا موت ﴿ في جنات وعيون ﴾ أي في بساتين وأنهار جاريات ﴿ وزروع ونخل طلعها هضيم ﴾ أي وسهول فسيحة فيها من أنواع الزروع والنخيل الرطب اللين؟ أتتركون في كل ذلك النعيم دون حساب ولا جزاء قال المفسرون: كانت أرض ثمود كثيرة البساتين والماء والنخل فذكرهم صالح بنعم الله الجليلة من إنبات البساتين والجنات، وتفجير العيون الجاريات، وإخراج الزروع والثمرات، ومعنى " الهضيم " اللطيف الدقيق وهو قول عكرمة، وقال ابن عباس معناه: اليانع النضيج ﴿ وتنحتون من الجبال بيوتا فارهين ﴾ أي وتبنون بيوتا في الجبال أشرين بطرين من غير حاجة لسكناها قال الرازي: وظاهر هذه الآيات يدل على أن الغالب على قوم " هود " هو اللذات الخيالية وهي الاستعلاء، والبقاء، والتجبر، والغالب على قوم " صالح " هو اللذات الحسية وهي طلب المأكول، والمشروب، والمساكن الطيبة وقال الصاوي: كانت أعمارهم طويلة فإن السقوف والأبينة كانت تبلى قبل فناء أعمارهم، لأن الواحد منهم كان يعيش ثلاثمائة سنة إلى ألف ﴿ فاتقوا الله وأطيعون ﴾ أي فاتقوا عقاب الله وأطيعوني في نصيحتي لكم ﴿ ولا تطيعوا أمر المسرفين ﴾ أي ولا تطيعوا أمر الكبراء المجرمين ﴿ الذين يفسدون في الأرض ولا يصلحون ﴾ أي الذين عادتهم الفساد في الأرض لا الإصلاح قال الطبري: وهم الرهط التسعة الذين وصفهم الله بقوله

وكان في المدينة تسعة رهط يفسدون في الأرض ولا يصلحون

[النمل: 48] ﴿ قالوا إنمآ أنت من المسحرين ﴾ أي من المسحورين سحرت حتى غلب على عقلك قال المفسرون: والمسحر مبالغة من المسحور ﴿ مآ أنت إلا بشر مثلنا ﴾ أي لست يا صالح إلا رجلا مثلنا، فكيف تزعم أنك رسول الله ﴿ فأت بآية إن كنت من الصادقين ﴾ أي فائتنا بمعجزة تدل على صدقك ﴿ قال هذه ناقة ﴾ أي هذه معجزتي إليكم وهي الناقة التي تخرج من الصخر الأصم بقدرة الله قال المفسرون: روي أنهم اقترحوا عليه ناقة عشراء - حامل - تخرج من صخرة معينة وتلد أمامهم، فقعد صالح عليه السلام يتفكر فجاءه جبريل فقال: صل ركعتين وسل ربك الناقة ففعل، فخرجت الناقة وولدت أمامهم وبركت بين أيديهم فقال لهم هذه ناقة يا قوم ﴿ لها شرب ولكم شرب يوم معلوم ﴾ أي تشرب ماءكم يوما، ويوما تشربون أنتم الماء قال قتادة: إذا كان يوم شربها شربت ماءهم كله، وشربهم في اليوم الذي لا تشرب هي فيه، وتلك آية أخرى ﴿ ولا تمسوها بسوء ﴾ أي لا تنالوها بأي ضرر بالعقر أو بالضرب ﴿ فيأخذكم عذاب يوم عظيم ﴾ أي فيصيبكم عذاب من الله هائل لا يكاد يوصف قال ابن كثير: حذرهم نقمة الله إن أصابوها بسوء، فمكثت الناقة بين أظهرهم حينا من الدهر، ترد الماء وتأكل الورق والمرعى، وينتفعون بلبنها يحلبون منها ما يكفيهم شربا وريا، فلما طال عليهم الأمد وحضر أشقاهم تمالئوا على قتلها وعقرها ﴿ فعقروها فأصبحوا نادمين ﴾ أي فقتلوها رميا بالسهام، رماها أشقاهم - قدار بن سالف - بأمرهم ورضاهم فأصبحوا نادمين على قتلها خوف العذاب قال الفخر: لم يكن ندمهم ندم التائبين، لكن ندم الخائفين من العذاب العاجل ﴿ فأخذهم العذاب ﴾ أي العذاب الموعود، وكان صيحة خمدت لها أبدانهم، وانشقت لها قلوبهم، وزلزلت الأرض تحتهم زلزالا شديدا، وصبت عليهم حجارة من السماء فماتوا عن آخرهم ﴿ إن في ذلك لآية ﴾ أي لعظة وعبرة لمن عقل وتدبر ﴿ وما كان أكثرهم مؤمنين * وإن ربك لهو العزيز الرحيم ﴾ تقدم تفسيرها فيما سبق، ثم شرع تعالى في ذكر قصة " لوط " فقال ﴿ كذبت قوم لوط المرسلين ﴾ أي كذبوا رسولهم لوطا ﴿ إذ قال لهم أخوهم لوط ألا تتقون ﴾ أي ألا تخافون عقاب الله وانتقامه في عبادتكم غيره! ﴿ إني لكم رسول أمين * فاتقوا الله وأطيعون * ومآ أسألكم عليه من أجر إن أجري إلا على رب العالمين ﴾ نفس الكلمات والألفاظ التي قالها من قبل صالح، وهود، ونوح مما يؤكد أن دعوة الرسل واحدة، وغايتها واحدة، وأن منشأها هو الوحي السماوي، ثم قال لهم لوط ﴿ أتأتون الذكران من العالمين ﴾ استفهام إنكار وتوبيخ وتقريع أي أتنكحون الذكور في أدبارهم، وتنفردون بهذا الفعل الشنيع من بين سائر الخلق؟ ﴿ وتذرون ما خلق لكم ربكم من أزواجكم ﴾ أي وتتركون ما أباح لكم ربكم من الاستمتاع بالإناث؟ قال مجاهد: تركتم فروج النساء إلى أدبار الرجال ﴿ بل أنتم قوم عادون ﴾ أي بل أنتم قوم مجاوزون الحد في الإجرام والفساد، وبخهم على إتيانهم الذكور، ثم أضرب عنه إلى ما هو أبلغ في التوبيخ كأنه يقول خرجتم عن حدود الإنسانية إلى مرتبة البهيمية بعدوانكم وارتكابكم هذه الجريمة الشنيعة، فالذكر من الحيوان يأنف عن إتيان الذكر، وأنتم فعلتم ما يتورع عنه الحيوان ﴿ قالوا لئن لم تنته يلوط لتكونن من المخرجين ﴾ أي لئن لم تترك تقبيح ما نحن عليه لنخرجنك من بين أظهرنا وننفيك من بلدنا كما فعلنا بمن قبلك، توعدوه بالنفي والطرد ﴿ قال إني لعملكم من القالين ﴾ أي إني لعملكم القبيح من المبغضين غاية البغض وأنا بريء منكم ﴿ رب نجني وأهلي مما يعملون ﴾ أي نجني من العذاب الذي يستحقونه بعملهم القبيح أنا وأهلي قال تعالى ﴿ فنجيناه وأهله أجمعين * إلا عجوزا في الغابرين ﴾ أي نجيناه مع أهله جميعا إلا امرأته كانت من الهالكين، الباقين في العذاب قال ابن كثير: والمراد بالعجوز امرأته فقد كانت عجوز سوء، بقيت فهلكت مع من بقي من قومها حين أمره الله أن يسري بأهله إلا امرأته ﴿ ثم دمرنا الآخرين ﴾ أي أهلكناهم أشد إهلاك وأفظعه بالخسف والحصب ﴿ وأمطرنا عليهم مطرا ﴾ أي أمطرنا عليهم حجارة من السماء كالمطر الزاخر ﴿ فسآء مطر المنذرين ﴾ أي بئس هذا المطر مطر القوم المنذرين الذين أنذرهم نبيهم فكذبوه ﴿ إن في ذلك لآية ﴾ أي إن في ذلك لعبرة وعظة لأولي البصائر ﴿ وما كان أكثرهم مؤمنين * وإن ربك لهو العزيز الرحيم ﴾ تقدم تفسيره، ثم شرع تعالى في ذكر قصة " شعيب " فقال: ﴿ كذب أصحاب لئيكة المرسلين ﴾ أي كذب أصحاب مدين نبيهم شعيبا قال الطبري: والأيكة: الشجر الملتف وهم أهل مدين ﴿ إذ قال لهم شعيب ألا تتقون * إني لكم رسول أمين * فاتقوا الله وأطيعون * ومآ أسألكم عليه من أجر إن أجري إلا على رب العالمين ﴾ سبق تفسيره ﴿ أوفوا الكيل ﴾ أي أوفوا الناس حقوقهم في الكيل والوزن ﴿ ولا تكونوا من المخسرين ﴾ أي من المنقصين المطففين في المكيال والميزان ﴿ وزنوا بالقسطاس المستقيم ﴾ أي زنوا بالميزان العدل السوي ﴿ ولا تبخسوا الناس أشيآءهم ﴾ أي لا تنقصوا حقوق الناس بأي طريق كان بالهضم أو الغبن أو الغصب ونحو ذلك ﴿ ولا تعثوا في الأرض مفسدين ﴾ أي ولا تفسدوا في الأرض بأنواع الفساد من قطع الطريق، والغارة، والسلب والنهب ﴿ واتقوا الذي خلقكم والجبلة الأولين ﴾ أي خافوا الله الذي خلقكم وخلق الخليقة المتقدمين قال مجاهد: الجبلة: الخليقة ويعني بها الأمم السابقين ﴿ قالوا إنمآ أنت من المسحرين ﴾ أي ما أنت إلا من المسحورين، سحرت كثيرا حتى غلب على عقلك ﴿ ومآ أنت إلا بشر مثلنا ﴾ أي أنت إنسان مثلنا ولست برسول ﴿ وإن نظنك لمن الكاذبين ﴾ أي ما نظنك يا شعيب إلا كاذبا، تكذب علينا فتقول أنا رسول الله ﴿ فأسقط علينا كسفا من السمآء ﴾ أي أنزل علينا العذاب قطعا من السماء، وهو مبالغة في التكذيب ﴿ إن كنت من الصادقين ﴾ أي إن كنت صادقا فيما تقول قال الرازي: وإنما طلبوا ذلك لاستبعادهم وقوعه، فظنوا أنه إذا لم يقع ظهر كذبه فعندها أجابهم شعيب ﴿ قال ربي أعلم بما تعملون ﴾ أي الله أعلم بأعمالكم، فإن كنتم تستحقون ذلك جازاكم به وهو غير ظالم لكم، وإن كنتم تستحقون عقابا آخر فإليه الحكم والمشيئة، قال تعالى ﴿ فكذبوه فأخذهم عذاب يوم الظلة ﴾ أي فكذبوا شعيبا فأخذهم ذلك العذاب الرهيب عذاب يوم الظلة وهي السحابة التي أظلتهم قال المفسرون: بعث الله عليهم حرا شديدا فأخذ بأنفاسهم، فخرجوا من البيوت هربا إلى البرية، فبعث الله عليهم سحابة أظلتهم من الشمس، فوجدوا لها بردا ونادى بعضهم بعضا حتى اجتمعوا تحتها أرسل الله عليهم نارا فاحترقوا جميعا، وكان ذلك من أعظم العذاب ولهذا قال ﴿ إنه كان عذاب يوم عظيم ﴾ أي كان عذاب يوم هائل، عظيم في الشدة والهول ﴿ إن في ذلك لآية وما كان أكثرهم مؤمنين * وإن ربك لهو العزيز الرحيم ﴾ وإلى هنا ينتهي آخر القصص السبع التي أوحيت لرسول الله صلى الله عليه وسلم لصرفه عن الحرص على إسلام قومه، وقطع رجائه ودفع تحسره عليهم كما قال في أول السورة ﴿ لعلك باخع نفسك ألا يكونوا مؤمنين ﴾ ففيها تسلية لرسول الله وتخفيف عن أحزانه وآلامه، وإنما كرر في نهاية كل قصة قوله ﴿ إن في ذلك لآية وما كان أكثرهم مؤمنين * وإن ربك لهو العزيز الرحيم ﴾ ليكون ذلك أبلغ في الاعتبار، وأشد تنبيها لذوي القلوب والأبصار.

صفوة التفاسير · الصفحة ٤٧٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

صفوة التفاسيرص ٤٧٢