تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

إن إبراهيم كان أمة

[النحل: 120] الآية ﴿ يوم لا ينفع مال ولا بنون ﴾ أي في ذلك اليوم العصيب لا ينفع أحدا فيه مال ولا ولد ﴿ إلا من أتى الله ﴾ إي إلا من جاء ربه في الآخرة ﴿ بقلب سليم ﴾ أي بقلب نقي طاهر، سليم من الشرك والنفاق، والحسد والبغضاء، وإلى هنا تنتهي دعوات الخليل إبراهيم ثم قال تعالى ﴿ وأزلفت الجنة للمتقين ﴾ أي قربت الجنة للمتقين لربهم ليدخلوها قال الطبري: وهم الذين اتقوا عقاب الله بطاعتهم إياه في الدنيا ﴿ وبرزت الجحيم للغاوين ﴾ أي وأظهرت النار للمجرمين الضالين حتى رأوها بارزة أمامهم مكشوفة للعيان، فالمؤمنون يرون الجنة فتحصل لهم البهجة والسرور، والغاوون يرون جهنم فتحصل لهم المساءة والأحزان ﴿ وقيل لهم ﴾ أي قيل للمجرمين على سبيل التقريع والتوبيخ ﴿ أين ما كنتم تعبدون * من دون الله ﴾ أي أين آلهتكم الذين عبدتموهم من الأصنام والأنداد؟ ﴿ هل ينصرونكم أو ينتصرون ﴾ أي هل ينقذونكم من عذاب الله، أو يستطيعون أن يدفعوه عن أنفسهم؟ وهذا كله توبيخ ﴿ فكبكبوا فيها ﴾ أي ألقوا على رءوسهم في جهنم قال مجاهد: دهوروا في جهنم وقال الطبري: رمي بعضهم على بعض، وطرح بعضهم على بعض منكبين على وجوههم ﴿ هم والغاوون ﴾ أي الأصنام والمشركون والعابدون والمعبودون كقوله

إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم

[الأنبياء: 98] ﴿ وجنود إبليس أجمعون ﴾ أي وأتباع إبليس قاطبة من الإنس والجن ﴿ قالوا وهم فيها يختصمون ﴾ أي قال العابدون لمعبوديهم وهم في الجحيم يتنازعون ويتخاصمون ﴿ تالله إن كنا لفي ضلال مبين ﴾ أي نقسم بالله لقد كنا في ضلال واضح وبعد عن الحق ظاهر ﴿ إذ نسويكم برب العالمين ﴾ أي حين عبدناكم من رب العالمين وجعلناكم مثله في استحقاق العبادة ﴿ ومآ أضلنآ إلا المجرمون ﴾ أي وما أضلنا عن الهدى إلا الرؤساء والكبراء الذين زينوا لنا الكفر والمعاصي ﴿ فما لنا من شافعين ﴾ أي ليس لنا من يشفع لنا من هول هذا اليوم ﴿ ولا صديق حميم ﴾ أي ولا صديق خالص الود ينقذنا من عذاب الله ﴿ فلو أن لنا كرة ﴾ أي لو أن لنا رجعة إلى الدنيا ﴿ فنكون من المؤمنين ﴾ أي فنؤمن بالله ونحسن عملنا ونطيع ربنا ﴿ إن في ذلك لآية ﴾ أي إن فيما ذكر من نبأ إبراهيم وقومه لعبرة يعتبر بها أولو الأبصار ﴿ وما كان أكثرهم مؤمنين ﴾ اي وما كان أكثر هؤلاء المشركين الذين تدعوهم إلى الإسلام بمؤمنين ﴿ وإن ربك لهو العزيز الرحيم ﴾ أي المنتقم من أعدائه، الرحيم بأوليائه.

البلاغة: تضمنت الآيات وجوها من البلاغة والبديع نوجزها فيما يلي:

1- الإيجاز بالحذف ﴿ فانفلق ﴾ أي فضرب البحر فانفلق.

2- التشبيه المرسل المجمل ﴿ كالطود العظيم ﴾ أي كالجبل في رسوخه وثباته ذكرت أداة التشبيه وحذف وجه الشبه.

3- الطباق بين ﴿ ينفعونكم أو يضرون ﴾ وكذلك بين ﴿ يميتني ثم يحيين ﴾.

4- مراعاة الأدب ﴿ وإذا مرضت فهو يشفين ﴾ لم يقل: وإذا أمرضني بل أسند المرض لنفسه تأدبا مع الله لأن الشر لا ينسب إليه تعالى أدبا، وإن كان المرض والشفاء كلاهما من الله.

5- الاستعارة اللطيفة ﴿ واجعل لي لسان صدق ﴾ استعار اللسان للذكر الجميل والثناء الحسن وهو من ألطف الاستعارات.

6- المقابلة البديعة ﴿ وبرزت الجحيم للغاوين ﴾ مقابل قوله عن السعداء ﴿ وأزلفت الجنة للمتقين ﴾.

7- مراعاة الفواصل في أواخر الآيات مثل ﴿ المتقين ﴾ ، ﴿ الغاوين ﴾ ، و ﴿ ضلال مبين ﴾ وهو من السجع الحسن الذي يزيد في جمال البيان.

تنبيه: " روي أن إبراهيم يلقى أباه آزر يوم القيامة، وعلى وجه آزر قترة وغبرة فيقول له إبراهيم: ألم أقل لك لا تعصني! فيقول أبوه: فاليوم لا أعصيك فيقول إبراهيم يا رب: إنك وعدتني ألا تخزني يوم يبعثون، فأي خزي أخزى من أبي الأبعد؟ فيقول الله تعالى: إني حرمت الجنة على الكافرين ثم يقول يا إبراهيم: انظر تحت رجلك فينظر فإذا هو بذيخ - ذكر من الضباع - متلطخ فيؤخذ بقوائمه فيلقى في النار " رواه البخاري.

صفوة التفاسير · الصفحة ٤٧٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

صفوة التفاسيرص ٤٧٠