" يحشر الناس يوم القيامة على ثلاث طرائق: راغبين، وراهبين، واثنان على بعير، وثلاثة على بعير، وأربعة على بعير، وعشرة على بعير، وتجر بقيتهم إلى النار، تقيل معهم حيث قالوا، وتبيت معهم حيث باتوا "
﴿ لا يملكون الشفاعة ﴾ أي لا يشفعون ولا يشفع لهم ﴿ إلا من اتخذ عند الرحمن عهدا ﴾ الاستثناء منقطع أي لكن من تحلى بالإيمان والعمل الصالح فإنه يملك الشفاعة قال ابن عباس: العهد " شهادة أن لا إله إلا الله " ﴿ وقالوا اتخذ الرحمن ولدا ﴾ أي اليهود والنصارى ومن زعم أن الملائكة بنات الله ﴿ لقد جئتم شيئا إدا ﴾ أي لقد أتيتم أيها المشركون بقول منكر عظيم تناهى في القبح والشناعة ﴿ تكاد السموت يتفطرن منه ﴾ أي تكاد السماوات تتشقق من هول هذا القول ﴿ وتنشق الأرض وتخر الجبال هدا ﴾ أي وتنشق كذلك الأرض وتندك الجبال وتهد هدا استعظاما للكلمة الشنيعة ﴿ أن دعوا للرحمن ولدا ﴾ أي ما يليق به سبحانه اتخاذ الولد، لأن الولد يقتضي المجانسة ويكون عن حاجة، وهو المنزه عن الشبيه والنظير، والغني عن المعين والنصير ﴿ إن كل من في السموت والأرض إلا آتي الرحمن عبدا ﴾ أي ما من مخلوق في هذا العالم العلوي والسفلي إلا وهو عبد لله، ذليل خاضع بين يديه، منقاد مطيع له كما يفعل العبيد ﴿ لقد أحصاهم وعدهم عدا ﴾ أي علم عددهم وأحاط علمه بهم فلا يخفى عليه شيء من أمورهم ﴿ وكلهم آتيه يوم القيامة فردا ﴾ أي وكل فرد يأتي يوم القيامة وحيدا فريدا، بلا مال ولا نصير، ولا معين ولا خفير ﴿ إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات سيجعل لهم الرحمن ودا ﴾ لما ذكر أحوال المجرمين ذكر أحوال المؤمنين والمعنى سيحدث لهم في قلوب عباده الصالحين محبة ومودة قال الربيع: يحبهم ويحببهم إلى الناس ﴿ فإنما يسرناه بلسانك لتبشر به المتقين وتنذر به قوما لدا ﴾ أي فإنما يسرنا يا محمد هذا القرآن بلسانك العربي تقرأه، وجعلناه سهلا يسيرا لمن تدبره، لتبشر به المؤمنين المتقين، وتخوف به قوما معاندين شديدي الخصومة والجدال ﴿ وكم أهلكنا قبلهم من قرن ﴾ أي كم من الأمم الماضية أهلكناهم بتكذيبهم الرسل، و " كم " للتكثير ﴿ هل تحس منهم من أحد ﴾ أي هل ترى منهم أحدا؟ ﴿ أو تسمع لهم ركزا ﴾ أي أو تسمع صوتا خفيا؟ والمعنى أنهم بادوا وهلكوا وخلت منهم الديار، وأوحشت منهم المنازل، فكما أهلكنا أولئك نهلك هؤلاء.
البلاغة: تضمنت الآيات الكريمة من وجوه البيان والبديع ما يلي:
1- ذكر العام وإرادة الخاص ﴿ ويقول الإنسان ﴾ المراد به الكافر لأنه هو المنكر للبعث.
2- الطباق بين ﴿ مت.. حيا ﴾ وبين ﴿ تبشر.. وتنذر ﴾.
3- الاستفهام للإنكار والتوبيخ ﴿ أولا يذكر الإنسن ﴾.
4- المقابلة اللطيفة بين المتقين والمجرمين وبين حال الأبرار والأشرار ﴿ يوم نحشر المتقين إلى الرحمن وفدا ﴾ ﴿ ونسوق المجرمين إلى جهنم وردا ﴾.
5- الجناس غير التام ﴿ وفدا.. وردا ﴾ لتغير الحرف الثاني.
6- اللف والنشر المرتب في ﴿ شر مكانا وأضعف جندا ﴾ حيث رجع الأول إلى ﴿ خير مقاما ﴾ والثاني إلى ﴿ وأحسن نديا ﴾ كما يوجد بين ﴿ خير.. وشر ﴾ طباق.
7- المجاز العقلي ﴿ سنكتب ما يقول ﴾ أي نأمر الملائكة بالكتابة فهو من إسناد الشيء إلى سببه.
8- السجع الرصين مثل ﴿ عبدا ﴾ ، ﴿ عدا ﴾ ، ﴿ فردا ﴾ ، ﴿ ودا ﴾ وهو من المحسنات البديعية.
فائدة: أخرج مسلم في صحيحه عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:
" إن الله تعالى إذا أحب عبدا دعا جبريل فقال: إني أحب فلانا فأحبه فيحبه جبريل، ثم ينادي في السماء: إن الله يحب فلانا فأحبوه فيحبه أهل السماء.. "
الحديث وهو مصداق قوله تعالى ﴿ سيجعل لهم الرحمن ودا ﴾.
لطيفة: روي أن المأمون قرأ هذه الآية ﴿ فلا تعجل عليهم إنما نعد لهم عدا ﴾ وعنده جماعة من الفقهاء فيهم ابن السماك فأشار إليه المأمون أن يعظه فقال: إذا كانت الأنفاس بالعدد، ولم يكن لها مدد، فما أسرع ما تنفد قال الشاعر: