تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ونادى أصحاب الجنة أصحاب النار

[الأعراف: 44] ﴿ فقال الضعفاء للذين استكبروا ﴾ أي قال الأتباع والعوام للسادة الكبراء والقادة الذين أضلوهم في الدنيا ﴿ إنا كنا لكم تبعا ﴾ أي كنا أتباعا لكم نأتمر بأمركم ﴿ فهل أنتم مغنون عنا من عذاب الله من شيء ﴾ أي هل أنتم دافعون عنا شيئا من عذاب الله؟ والاستفهام للتوبيخ والتقريع ﴿ قالوا لو هدانا الله لهديناكم ﴾ أي قال القادة معتذرين: لو هدانا الله للإيمان لهديناكم إليه، ولكن حصل لنا الضلال فأضللناكم فلا ينفعنا العتاب ولا الجزع ﴿ سوآء علينآ أجزعنآ أم صبرنا ﴾ أي يستوي علينا الجزع والصبر قال الطبري: إن أهل النار يجتمعون فيقول بعضهم لبعض: إنما أدرك أهل الجنة ببكائهم وتضرعهم إلى الله فتعالوا نبكي ونتضرع إلى الله، فبكوا فلما رأوا أن ذلك لا ينفعهم قالوا: تعالوا نصبر فصبروا صبرا لم ير مثله، فلما رأوا أنه لا ينفعهم قالوا ﴿ سوآء علينآ أجزعنآ أم صبرنا ﴾ وقال مقاتل: جزعوا خمسمائة عام، وصبروا خمسمائة عام ﴿ ما لنا من محيص ﴾ أي ليس لنا من مهرب أو ملجأ ﴿ وقال الشيطان لما قضي الأمر ﴾ هذه هي الخطبة البتراء التي يخطب بها إبليس في محفل الأشقياء في جهنم أي لما فرغ من الحساب ودخل أهل الجنة الجنة وأهل النار النار ﴿ إن الله وعدكم وعد الحق ﴾ أي وعدكم وعدا حقا بإثابة المطيع وعقاب العاصي فوفى لكم وعده ﴿ ووعدتكم فأخلفتكم ﴾ أي وعدتكم ألا بعث ولا ثواب ولا عقاب فكذبتكم وأخلفتكم الوعد ﴿ وما كان لي عليكم من سلطان ﴾ أي لم يكن لي قدرة وتسلط وقهر عليكم فأقهركم على الكفر والمعاصي ﴿ إلا أن دعوتكم فاستجبتم لي ﴾ أي إلا دعائي إياكم إلى الضلالة بالوسوسة والتزيين فاستجبتم لي باختياركم ﴿ فلا تلوموني ولوموا أنفسكم ﴾ أي لا ترجعوا باللوم علي اليوم ولكن لوموا أنفسكم فإن الذنب ذنبكم ﴿ مآ أنا بمصرخكم ومآ أنتم بمصرخي ﴾ أي ما أنا بمغيثكم ولا أنتم بمغيثي من عذاب الله ﴿ إني كفرت بمآ أشركتمون من قبل ﴾ أي كفرت بإشراككم لي مع الله في الطاعة ﴿ إن الظالمين لهم عذاب أليم ﴾ أي إن المشركين لهم عذاب مؤلم قال المفسرون: هذه الخطبة إنما تكون إذا استقر أهل الجنة في الجنة، وأهل النار في النار، فيأخذ أهل النار في لوم إبليس وتقريعه فيقوم فيما بينهم خطيبا بما أخبر عنه القرآن وقال الحسن: يقف إبليس يوم القيامة خطيبا في جهنم على منبر من نار يسمعه الخلائق جميعا ﴿ وأدخل الذين آمنوا وعملوا الصالحات جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها بإذن ربهم ﴾ لما ذكر تعالى أحوال الأشقياء، ذكر بعده أحوال السعداء، ليبقى العبد بين الرغبة والرهبة، وبين الخوف والرجاء أي أدخلهم الله تعالى جنات تجري من تحت قصورها أنهار الجنة ماكثين فيها أبدا بأمره تعالى وتوفيقه وهدايته ﴿ تحيتهم فيها سلام ﴾ أي تحييهم الملائكة بالسلام مع الإجلال والإكرام ﴿ ألم تر كيف ضرب الله مثلا كلمة طيبة كشجرة طيبة ﴾ هذا مثل ضربه الله لكلمة الإيمان وكلمة الإشراك، فمثل لكلمة الإيمان بالشجرة الطيبة، ولكلمة الإشراك بالشجرة الخبيثة قال ابن عباس: الكلمة الطيبة " لا إله إلا الله " والشجرة الطيبة " المؤمن " ﴿ أصلها ثابت وفرعها في السمآء ﴾ أي أصلها راسخ في الأرض وأغصانها ممتدة نحو السماء ﴿ تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها ﴾ أي تعطي ثمرها كل وقت بتيسير الخالق وتكوينه، كذلك كلمة الإيمان ثابتة في قلب المؤمن، وعمله يصعد إلى السماء ويناله بركته وثوابه في كل وقت ﴿ ويضرب الله الأمثال للناس لعلهم يتذكرون ﴾ أي يبين لهم الأمثال لعلهم يتعظون فيؤمنون ﴿ ومثل كلمة خبيثة كشجرة خبيثة ﴾ أي ومثل كلمة الكفر الخبيثة كشجرة الحنظل الخبيثة ﴿ اجتثت من فوق الأرض ﴾ أي استؤصلت من جذورها واقتعلت من الأرض لعدم ثبات أصلها ﴿ ما لها من قرار ﴾ أي ليس لها استقرار وثبات، كذلك كلمة الكفر لا ثبات لها ولا فرع ولا بركة قال ابن الجوزي: شبه ما يكسبه المؤمن من بركة الإيمان وثوابه في كل وقت بثمرتها المجتناة في كل حين، فالمؤمن كلما قال " لا إله إلا الله " صعدت إلى السماء ثم جاء خيرها ومنفعتها، والكافر لا يقبل عمله ولا يصعد إلى الله تعالى، لأنه ليس له أصل في الأرض ثابت، ولا فرع في السماء ﴿ يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا ﴾ أي يثبتهم على كلمة التوحيد " لا إله إلا الله " وعلى الإيمان في هذه الحياة فلا يزيغون ولا يفتنون ﴿ وفي الآخرة ﴾ أي عند سؤال الملكين في القبر كما في الحديث الشريف

صفوة التفاسير · الصفحة ٣٤٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

صفوة التفاسيرص ٣٤٥