فقلت له إن الأسى يبعث الأسى
فدعني فهذا كله قبر مالك
﴿ قالوا تالله تفتؤا تذكر يوسف ﴾ أي لا تفتأ ولا تزال تذكر يوسف وتتفجع عليه ﴿ حتى تكون حرضا أو تكون من الهالكين ﴾ أي حتى تكون مريضا مشرفا على الهلاك أو تهلك أسى وحسرة وتموت ﴿ قال إنمآ أشكو بثي وحزني إلى الله ﴾ أي قال لهم يعقوب: لست أشكو غمي وحزني إليكم وإنما أشكو ذلك إلى الله فهو الذي تنفع الشكوى إليه ﴿ وأعلم من الله ما لا تعلمون ﴾ أي أعلم من رحمته وإحسانه ما لا تعلمون أنتم فأرجو أن يرحمني ويلطف بي ويأتيني بالفرج من حيث لا أحتسب ﴿ يبني اذهبوا فتحسسوا من يوسف وأخيه ﴾ أي اذهبوا إلى الموضع الذي جئتم منه فالتمسوا يوسف وتعرفوا على خبره وخبر أخيه بحواسكم ﴿ ولا تيأسوا من روح الله ﴾ أي لا تقنطوا من رحمة الله وفرجه وتنفيسه ﴿ إنه لا ييأس من روح الله إلا القوم الكافرون ﴾ أي فإنه لا يقنط من رحمته تعالى إلا الجاحدون المنكرون لقدرته جل وعلا ﴿ فلما دخلوا عليه قالوا يأيها العزيز مسنا وأهلنا الضر ﴾ في الكلام محذوف أي فخرجوا راجعين إلى مصر فدخلوا على يوسف فلما دخلوا قالوا يا أيها العزيز أصابنا وأهلنا الشدة من الجدب والقحط ﴿ وجئنا ببضاعة مزجاة ﴾ أي وجئنا ببضاعة رديئة مدفوعة يدفعها كل تاجر رغبة عنها واحتقارا قال ابن عباس: كانت دراهمهم رديئة لا تقبل في ثمن الطعام، أظهروا له الذل والانكسار استرحاما واستعطافا ﴿ فأوف لنا الكيل ﴾ أي أتمم لنا الكيل ولا تنقصه لرداءة بضاعتنا ﴿ وتصدق علينآ ﴾ أي برد أخينا إلينا أو بالمسامحة عن رداءة البضاعة ﴿ إن الله يجزي المتصدقين ﴾ أي يثيب المحسنين أحسن الجزاء.
. ولما بلغ بهم الأمر إلى هذا الحد من الاسترحام والضيق والانكسار أدركته الرأفة فباح لهم بما كان يكتمه من أمره ﴿ قال هل علمتم ما فعلتم بيوسف وأخيه إذ أنتم جاهلون ﴾؟ أي هل تذكرون ما فعلتم بيوسف وأخيه حال شبابكم وطيشكم؟ والغرض تعظيم الواقعة كأنه يقول: ما أعظم ما ارتكبتم في يوسف وما أقبح ما أقدمتم عليه! قال أبو السعود: وإنما قاله نصحا لهم، وتحريضا على التوبة، وشفقة عليهم ﴿ قالوا أءنك لأنت يوسف ﴾ أي قال إخوته متعجبين مستغربين: أأنت يوسف حقا؟ ﴿ قال أنا يوسف وهذا أخي ﴾ أي قال: نعم أنا يوسف وهذا أخي الشقيق ﴿ قد من الله علينآ ﴾ أي من علينا بالخلاص من البلاء، والاجتماع بعد الفرقة، والعزة بعد الذلة ﴿ إنه من يتق ويصبر ﴾ أي إنه من يتق الله فيراقبه ويصبر على البلايا والمحن ﴿ فإن الله لا يضيع أجر المحسنين ﴾ أي لا يبطل أجرهم ولا يضيع إحسانهم بل يجزيهم عليه أوفى الجزاء قال البيضاوي: ووضع المحسنين موضع الضمير للتنبيه على أن المحسن من جمع بين التقوى والصبر ﴿ قالوا تالله لقد آثرك الله علينا ﴾ اعتراف بالخطيئة وإقرار بالذنب أي والله لقد فضلك الله علينا بالتقوى والصبر، والعلم والحلم ﴿ وإن كنا لخاطئين ﴾ أي وحالنا وشأننا أننا كنا مذنبين بصنيعنا الذي صنعنا بك، ولذلك أعزك الله وأذلنا، وأكرمك وأهاننا ﴿ قال لا تثريب عليكم اليوم ﴾ أي قال لهم يوسف: لا عتب عليكم اليوم ولا عقوبة بل أصفح وأعفو ﴿ يغفر الله لكم ﴾ دعاء لهم بالمغفرة وهذا زيادة تكريم منه لما فرط منهم ﴿ وهو أرحم الراحمين ﴾ أي هو جل وعلا المتفضل على التائب بالمغفرة والرحمة، أرحم بعباده من كل أحد ﴿ اذهبوا بقميصي هذا فألقوه على وجه أبي ﴾ قال الطبري: ذكر أن يوسف لما عرف نفسه إخوته سألهم عن أبيهم فقالوا: ذهب بصره من الحزن فعند ذلك أعطاهم قميصه، وأراد يوسف تبشير أبيه بحياته، وإدخال السرور عليه بذلك ﴿ يأت بصيرا ﴾ أي يرجع إليه بصره ﴿ وأتوني بأهلكم أجمعين ﴾ أي وجيئوني بجميع الأهل والذرية من أولاد يعقوب.
البلاغة: 1- ﴿ فلما جهزهم بجهازهم ﴾ فيه جناس الاشتقاق وكذلك في ﴿ أذن مؤذن ﴾.