تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ففتحنآ أبواب السمآء بماء منهمر * وفجرنا الأرض عيونا فالتقى المآء على أمر قد قدر

[القمر: 11-12] وارتفع الماء على أعلى جبل أربعين ذراعا حتى أغرق كل شيء ﴿ ونادى نوح ابنه وكان في معزل ﴾ أي ونادى نوح ولده " كنعان " قبيل سير السفينة وكان في ناحية منها لم يركب مع المؤمنين ﴿ يبني اركب معنا ﴾ أي اركب معنا ولا تهلك نفسك بالغرق ﴿ ولا تكن مع الكافرين ﴾ أي فتغرق كما يغرقون ﴿ قال سآوي إلى جبل يعصمني من المآء ﴾ أي سأصعد إلى رأس جبل أتحصن به من الغرق، ظنا منه أن الماء لا يصل إلى رءوس الجبال ﴿ قال لا عاصم اليوم من أمر الله إلا من رحم ﴾ أي قال له أبوه نوح: لا معصوم اليوم من عذاب الله ولا ناجي من عقابه إلا من رحمه الله ﴿ وحال بينهما الموج فكان من المغرقين ﴾ أي حال بين نوح وولده موج البحر فغرق ﴿ وقيل يأرض ابلعي مآءك ﴾ أي انشقي وابتلعي ما على وجهك من الماء ﴿ ويسمآء أقلعي ﴾ أي أمسكي عن المطر ﴿ وغيض المآء ﴾ أي ذهب في أغوار الأرض قال مجاهد: نقص الماء ﴿ وقضي الأمر ﴾ أي تم أمر الله بإغراق من غرق، ونجاة من نجا ﴿ واستوت على الجودي ﴾ أي استقرت السفينة على جبل الجودي بقرب الموصل ﴿ وقيل بعدا للقوم الظالمين ﴾ أي هلاكا وخسارا لمن كفر بالله وهي جملة دعائية قال الألوسي: ولا يخفى ما في الآية من الدلالة على عموم هلاك الكفرة، بل على عموم هلاك أهل الأرض ما عدا أهل السفينة، ويدل عليه ما روي أن الغرق أصاب امرأة معها صبي لها فوضعته على صدرها، فلما بلغها الماء وضعته على منكبها، فلما بلغها الماء رفعته بيديها، فلو رحم الله أحدا من أهل الأرض لرحمها ﴿ ونادى نوح ربه فقال رب إن ابني من أهلي ﴾ أي نادى نوح ربه متضرعا إليه فقال: رب إن ابني " كنعان " من أهلي وقد وعدتني بنجاتهم ﴿ وإن وعدك الحق ﴾ أي وعدك حق لا خلف فيه ﴿ وأنت أحكم الحاكمين ﴾ أي وأنت يا ألله أعدل الحاكمين بالحق ﴿ قال ينوح إنه ليس من أهلك ﴾ أي قال له ربه: يا نوح إن ولدك هذا ليس من أهلك الذين وعدتك بنجاتهم لأنه كافر ولا ولاية بين المؤمن والكافر ﴿ إنه عمل غير صالح ﴾ إي إن عمله سيء غير صالح ﴿ فلا تسئلن ما ليس لك به علم ﴾ أي لا تطلب مني أمرا لا تعلم أصواب هو أم غير صواب؟ ﴿ إني أعظك أن تكون من الجاهلين ﴾ أي إني أنبهك وأنصحك خشية أن تكون من الجاهلين قال في التسهيل: وليس في ذلك وصف له بالجهل، بل فيه ملاطفة وإكرام ﴿ قال رب إني أعوذ بك أن أسألك ما ليس لي به علم ﴾ أي قال نوح معتذرا إلى ربه عما صدر عنه: رب إني أستجير بك من أن أسألك أمرا لا يليق بي سؤاله ﴿ وإلا تغفر لي وترحمني أكن من الخاسرين ﴾ أي وإلا تغفر لي زلتي، وتتداركني برحمتك، أكن ممن خسر آخرته وسعادته ﴿ قيل ينوح اهبط بسلام منا ﴾ أي اهبط من السفينة بسلامة وأمن ﴿ وبركات عليك وعلى أمم ممن معك ﴾ أي وخيرات عظيمة عليك وعلى ذرية من معك من أهل السفينة، قال القرطبي: دخل في هذا كل مؤمن إلى يوم القيامة ﴿ وأمم سنمتعهم ﴾ أي وأمم أخرى من ذرية من معك نمتعهم متاع الحياة الدنيا وهم الكفرة المجرمون ﴿ ثم يمسهم منا عذاب أليم ﴾ أي ثم نذيقهم في الآخرة العذاب الأليم وهو عذاب جهنم ﴿ تلك من أنبآء الغيب ﴾ أي هذه القصة وأشباهها من أخبار الغيوب السالفة التي لم تشهدها ﴿ نوحيهآ إليك ﴾ أي نعلمك بها يا محمد بواسطة الوحي ﴿ ما كنت تعلمهآ أنت ولا قومك من قبل هذا ﴾ أي لم يكن عندك ولا عند أحد من قومك علم بها من قبل هذا القرآن ﴿ فاصبر إن العاقبة للمتقين ﴾ أي فاصبر على أمر الله بتبليغ الدعوة كما صبر نوح، فإن العاقبة المحمودة لمن اتقى الله، وفيه تسلية له صلى الله عليه وسلم على أذى المشركين.

البلاغة: 1- ﴿ فعميت عليكم ﴾ شبه الذي لا يهتدي بالحجة لخفائها عليه، بمن سلك مفازة لا يعرف طرقها ومسالكها، واتبع دليلا أعمى فيها على سبيل الاستعارة التمثيلية.

صفوة التفاسير · الصفحة ٣١٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

صفوة التفاسيرص ٣١٠