تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

الثاني: قال الكلبي (1): «كون المخلوق من عند الخالق آكد من كون المأمور به من عند الآمر، وحمل الكلام على الوجه الأقوى: أولى».

الثالث: قوله: وَما هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ نفي مطلق لكونه من عند اللَّه وهذا ينفي كونه من عند اللَّه بوجه من الوجوه. فوجب أن لا يكون من عنده لا بالخلق ولا بالحكم.

والجواب: قوله قولهم لم لا يجوز أن يكون المراد من قول اليهود إنه من عند اللَّه - أنه

كلام اللَّه وحكمه - قول يلزم عليه عطف الشيء على نفسه»؟ قلنا: الجواب عنه من وجهين:

الأول: إنه ليس كل ما لم يكن من الكتاب، لم يكن من عند اللَّه. فإن الحكم الشرعي قد يثبت تارة بالكتاب وتارة بالسنة، وتارة بسائر الطرق مثل الإجماع والقياس في شرعنا. ثم كل هذه الطرق من عند اللَّه وبحكمه فقوله تعالى: لِتَحْسَبُوهُ مِنَ الْكِتابِ. وَما هُوَ مِنَ الْكِتابِ نفي خاص وهو كونه مذكور في كتاب اللَّه، ثم عطف عليه النفي العام فقال: وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ، وَما هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ.

الوجه الثاني في الجواب: أنه يجوز أن يكون المراد من الكتاب: التوراة. ويكون المراد في قولهم هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ: إنه موجود في كتب سائر الأنبياء مثل: «إشعياء» و «إرمياء» و «حبقوق» (2) وذلك لأن اليهود كانوا في نسبة تلك التحريفات إلى اللَّه منجرين. فإن وجدوا قوما أغمارا جهالا بالتوراة، نسبوا تلك المحرفات إلى أنها من التوراة. وإن وجدوا عقلاء لا يروج عليهم ذلك الكلام. زعموا: أنه موجود في كتب سائر الأنبياء الذين جاءوا بعد موسى عليه السلام (3). فثبت بهذين الوجهين: أنه لا يلزم عطف

(1) الكلبي هو محمد بن السائب المفسر النسابة الأخباري. توفي سنة (146) ه‍. بالكوفة من آثاره تفسير القرآن. انظر المعارف (266)، الفهرست (95)، الوفيات (624) / (1)، ميزان الاعتدال (61) / (3)، الوافي بالوفيات (83) / (3)، الأعلام (3) / (7)، معجم المؤلفين (15) / (10).

(2) يقسم اليهود الكتاب المسمى بالعهد القديم عند النصارى. إلى ثلاثة أقسام:

الأول: التوراة أو الناموس وهي تضم الأسفار الخمسة الأولى: التكوين والخروج واللاويين والعدد وتثنية الاشتراع والثاني: الكتب التاريخية: يشوع والقضاة وصموئيل الأول والثاني والملوك الأول والثاني، والأنبياء وهي نبوات إشعيا وارميا وحزقيال وصغار الأنبياء الاثني عشر: هوشع ويوئيل وعاموس ويونان وميخا وناحوم وصفنيا وحبقوق وحجي وزكريا وملاخي. والمجموعة الثالثة شتات كتب مختلفة: كالأخبار ونحميا وعزرا وراعوث وطوبيا ويهوديت واستير والمكابيين الأول والثاني والكتب الحكمية: الأمثال والجامعة وأيوب وابن سيراخ والحكمة، والمزامير وباروك والمراثي ونشيد الإنشاد وسفر دافيال. وهذا التصنيف اليهودي قد تغير واستبدل بتصنيفات أخرى ..

(3) انظر في إثبات تحريفات اليهود والنصارى كتاب إظهار الحق لرحمت اللَّه الهندي، والجزء الأول من الفصل في الملل والأهواء والنحل لابن حزم، والأجوبة الفاخرة للقرافي، وهداية الحيارى لابن القيم، والدين والدولة لابن ربن الطبري وغيرها. وقد عثرت على نص في سفر ارمياء الإصحاح الثالث والعشرين يثبت التحريف من قبل بني إسرائيل. «يقول الرب: قد سمعت ما قالته الأنبياء الذين تنبئوا باسمي بالكذب قائلين حلمت حلمت. حتى متى يوجد في قلب الأنبياء المتنبئين بالكذب بل هم أنبياء خداع قلبهم ... وإذا سألك هذا الشعب أو نبي أو كاهن قائلا: ما وحي الرب فقل لهم أي وحي؟ إني أرفضكم قول الرب. فالنبي أو الكاهن أو الشعب الذي يقول وحي أعاقب ذلك الرجل وبنيه. هكذا تقولون الرجل لصاحبه والرجل لأخيه بما ذا أجاب الرب وما ذا تكلم الرب. أما وحي الرب فلا تذكروه بعد لأن كلمة كل إنسان وحيه إذ قد حرفتم كلام الإله الحي رب الجنود إلهنا ... من أجل قولكم هذه الكلمة وحي الرب وقد أرسلت لكم قائلا لا تقولوا وحي الرب. لذلك ها أنا ذا أنساكم نسيانا وأرفضكم من أمام وجهي أنتم والمدينة التي أعطيتكم وآباءكم إياها. واجعل عليكم عارا أبديا وخزيا أبديا لا ينسى» ((25) - (40)).

القضاء والقدر · الصفحة ٢٩٠

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

القضاء والقدرص ٢٩٠