تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

الباب السادس في حكاية الدلائل القرآنيّة التي يتمسكون بها

اعلم أن كلام المعتزلة في هذا الباب قد طال وكثر. ونحن نشير إلى معاقد أقوالهم على سبيل الاختصار.

النوع الأول الاستدلال الاجمالي

وتقريره: إن المقصود من جميع كتب اللَّه المنزلة، إما تقرير الدلائل على التوحيد والنبوة والمعاد. وإما الأمر والنهي، والمدح والذم، والثواب والعقاب. وإما القصص لإرادة أن يعتبر المكلف، فيحترز عن مخالفة تكاليف اللَّه تعالى. فهذه هي المعاقد الكلية، والمطالب الأصلية من كتب اللَّه المنزلة. وكلها مبطلة للقول بالجبر. أما تقرير الدلائل على التوحيد والنبوة والمعاد وسائر المطالب، فالكل على مذهب الجبر عبث باطل. لأنه تعالى إن كان قد خلق العلم والمعرفة بتلك الأشياء، فلا حاجة به ألبتة إلى معرفة الدلائل. وإن كان اللَّه لم يخلق العلم في المكلف، لم ينتفع المكلف ألبتة بشيء من تلك الدلائل. فعلى كلا التقديرين يكون نصب الدلائل وتقريرها وإيضاحها: عبثا ضائعا، على مذهب الجبر. وأما الأمر والنهي فهو أيضا ضائع على مذهب الجبر. لأن الأمر والنهي إنما يحسنان إذا كان المأمور والمنهي قادرا على الفعل، متمكنا منه. ألا ترى أن من قيد يداه ورجلاه ورمي من شاهق جبل، ثم أمر بالرجوع، أو نهي عن النزول:

كان ذلك سفها وعبثا. ولو كان كل فعل: خلقه اللَّه تعالى، لكان جميع تكاليف اللَّه تعالى كذلك. لأن الذي خلقه اللَّه تعالى فيه كان واجب الحصول. فكان الأمر به جاريا مجرى ما إذا يقيد الإنسان يدي عبده ورجليه، ويرميه من شاهق الجبل، ثم يقول له: انزل، وإن تنزل عذبتك. والذي ما خلقه اللَّه تعالى فيه يكون ممتنع الحصول، فكان الأمر به جاريا مجرى ما إذا يقيد يديه ورجليه ويرميه من شاهق الجبل، ثم يقول له: ارجع وإن لم ترجع عذبتك. ومعلوم:

أن أمثال هذه التكاليف عبث فاسد. فثبت: أن القول بالجبر يفضي إلى أن تكون جميع تكاليف اللَّه باطلة ضائعة. وأما المدح والذم والوعد والوعيد فكل ذلك إنما يحسن إذا كان المخاطب قادرا على الفعل والترك، متمكنا منهما. حتى أنه إذا أطاع باختياره مدح وأثيب، وإن عصى باختياره ذم وعوقب. فأما إذا خلق الكفر فيه، شاء أم أبى، ثم يعاقبه عليه أبد الآباد، ويذمه عليه، ويقول: لم فعلت؟ فهذا محض الكذب، ومحض الظلم والسفه.

القضاء والقدر · الصفحة ٢٥٤

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

القضاء والقدرص ٢٥٤