تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وأما القصص المذكورة في كتب اللَّه المنزلة. فالفائدة منها: أن يعتبر المكلف بها، فيقدم على الطاعة، وينزجر عن المعصية. كما قال تعالى: لَقَدْ كانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبابِ (1).

وهذه الفائدة إنما تحصل إذا كان العبد قادرا على الاختيار أولا، وقادرا على الطاعة والمعصية ثانيا. فأما إذا كان لا قدرة له على الطاعة ولا على المعصية ألبتة، كان ذكر الاعتبار عبثا محضا. لأن اللَّه تعالى إن خلق الطاعة فيه، فهي حاصلة. سواء حصل ذلك الاعتبار أو لم يحصل، وإن لم يخلقها امتنع حصولها. سواء حصل هناك اعتبار، أو لم يحصل. فكان ذكر القصص لإرادة الاعتبار عبثا محضا. فثبت بما ذكرنا: أن المقصود من بعثة الأنبياء وإنزال الكتب عليهم: ليس إلا هذه الأمور، وثبت: أنها بأسرها لا تقرر إلا على القول بالعدل، وإبطال القول بالجبر والجور. فثبت: أن جميع كتب اللَّه ناطقة بفساد القول بالجبر.

النوع الثاني من وجوه تمسكهم بالقرآن

أن قالوا: القرآن من الباء من «بسم اللَّه» إلى السين من قوله: «من الجنة والناس» ناطق بفساد مذهب الجبر. ونحن نشرح ذلك في سورة الفاتحة. ليقاس عليه الباقي. ورتبناه على فصول:

الفصل الأول في المباحث المستنبطة من قولنا: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم (2)

قالوا: هذا يدل على بطلان القول بالجبر من وجوه:

الأول: إن قولنا: «أعوذ»؛ اعتراف بكون العبد فاعلا. ولو كان فعل العبد مخلوقا للَّه تعالى، لامتنع كونه فاعلا، للاستعاذة. لأن تحصيل الحاصل محال، لأن اللَّه تعالى إذا خلق ذلك الفعل، لم يقدر العبد على الامتناع منه، وإن لم يخلقه اللَّه تعالى فيه، استحال منه الإقدام على تحصيله. فثبت: أن قوله: «أعوذ»: اعتراف بكونه موجدا لأفعال نفسه.

الثاني: إن الاستعاذة باللَّه، إنما تعقل، لو لم يكن اللَّه هو الفاعل للأمور التي منها يستعاذ.

(1) سورة يوسف الآية (111).

(2) المسألة برمتها مذكورة في التفسير الكبير للرازي ((68) / (1)).

القضاء والقدر · الصفحة ٢٥٥

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

القضاء والقدرص ٢٥٥