يعقل أن يحتج اللَّه سبحانه عليهم بما لا حجة له فيه، مع أنه قال: قُلْ فَلِلّاهِ الْحُجَّةُ الْبالِغَةُ (1)؟ وليس لهم أن يقولوا: المناظرة مع اللَّه لا تجوز. لأن هذا الكلام قد سبق جوابه.
والجواب: إن كل ذلك مشكل عليهم، بما أن حصول الفعل موقوف على خلق القدرة والداعي وذلك يوجب الجبر، ويشكل أيضا. بما أن خلاف معلوم اللَّه محال الوقوع.
النوع السادس عشر للقوم
تمسكوا بقوله تعالى: وَآخَرُ مِنْ شَكْلِهِ أَزْاجٌ. هذا فَوْجٌ مُقْتَحِمٌ مَعَكُمْ. لا مَرْحَباً بِهِمْ. إِنَّهُمْ صالُوا النّارِ. قالُوا: بَلْ أَنْتُمْ لا مَرْحَباً بِكُمْ. أَنْتُمْ قَدَّمْتُمُوهُ لَنا. فَبِئْسَ الْقَرارُ.
قالُوا: رَبَّنا مَنْ قَدَّمَ لَنا هذا، فَزِدْهُ عَذاباً ضِعْفاً فِي النّارِ (2).
قالوا: على مذهب المجبرة: إنه تعالى هو الذي قدم لهم. فانظر ما يلزم على قول المجبرة في هذا الموضوع. والجواب: إن هذا أيضا وارد على المعتزلة بسبب مسألة الداعي، ومسألة العلم. واللَّه أعلم.
النوع السابع عشر للقوم
إن القرآن مملوء من كونه تعالى رحيما كريما جوادا محسنا. بل الكتب الإلهية بأسرها مملوءة من هذا المعنى، والخلق مطبقون على كونه أكرم الأكرمين، وأرحم الراحمين من ذلك قوله تعالى:
ما يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ (3) فإن كان هو تعالى يخلق الإنسان ويسلط عليه في الدنيا الفقر والزمانة والمرض والعمى، ثم يخلق فيه الكفر، ثم يخرجه من الدنيا إلى الآخرة، ويدخله في النار أبد الآباد ويعذبه أشد العذاب. فكيف يليق به أن يكون كريما رحيما، فضلا عن أن يكون أكرم
(1) سورة الأنعام الآية (149).
(2) سورة ص الآية (58) - (61).
(3) سورة النساء الآية (147).