تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

الفصل التاسع في قوله: اهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ. صِراطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ

قالت المعتزلة: هذه الآية دالة على قولنا من وجهين:

الأول: إن قوله: «اهدنا»: طلب. وهذا تصريح بكون العبد فاعلا لهذا الطلب. الثاني:

إن طلب الهداية إنما يحسن إذا كان العبد يصح منه أن يهتدي بهداه. إذ الهدى هو الدلالة والبيان (1). ولا يجوز المراد بقوله: اِهْدِنَا أي اخلق لنا الإيمان لأن الهدى في اللغة عبارة عن الدلالة والبيان، لا عن خلق العلم. بدليل قوله تعالى: وَأَمّا ثَمُودُ فَهَدَيْناهُمْ. فَاسْتَحَبُّوا الْعَمى عَلَى الْهُدى (2).

قال أهل السنة والجماعة: هذه الآية من أدل الدلائل على مذهبنا من وجهين:

الأول: إنه لا يمكن حمل هذه الهداية على البيان والدلالة. لأن اللَّه تعالى قد فعل ذلك.

فلو حملنا هذا الدّعاء عليه، كان هذا طلبا لتحصيل الحاصل. وهو باطل. بل الهدى عبارة عن الدلالة بشرط أن تكون تلك الدلالة مفضية إلى المقصود، وذلك إنما يكون بخلق العلم والمعرفة. ولا يقال: فهذا يقتضي أن لا يكون الإيمان حاصلا لهم في الحال. لأنا نقول: هذا غير لازم. وبيانه من وجهين:

الأول: قال بعض المفسرين: المراد بقوله «اهدنا»: أي ثبتنا على هذه الهداية الحاصلة في الحال. وإليه الإشارة بقوله تعالى: يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا

(1) راجع مادة هدى في لسان العرب لابن منظور (4638) / (6) - (4642)). قلت: والعودة إلى المعنى اللغوي غير كاف لأن البحث ليس عن هداية عامة يتساوى فيها البشر وإنما عن هداية خاصة لفئة منهم من قبل «الهادي» سبحانه وتعالى، فالمعنى إذا معنى شرعي للفظة. والهداية في القرآن الكريم على أنواع:

الأولى: التي عم بجنسها كل مكلف من العقل والفطنة والمعارف الضرورية بل وكل حيوان.

الثانية: الهداية التي جعل للناس بدعائه لا إياهم على ألسنة الأنبياء وإنزال القرآن وَجَعَلْنا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنا.

الثالثة: الهداية الخاصة والتوفيق للإيمان عند أفراد مخصوصين. سواء كانت هذه الهداية هي الهداية الأولى أو كانت زيادة هداية وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زادَهُمْ هُدىً - فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلامِ - وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ - وَالَّذِينَ جاهَدُوا فِينا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنا - وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ.

الرابعة: الهداية في الآخرة إلى الجنة اَلْحَمْدُ لِلّاهِ الَّذِي هَدانا لِهذا أدللنا فَاهْدُوهُمْ إِلى صِراطِ الْجَحِيمِ والبحث والخلاف إنما هو في الهداية الثالثة. وقد اختص اللَّه عزّ وجلّ بها ونفاها عن غيره إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ - لَيْسَ عَلَيْكَ هُداهُمْ -.

والهداية في القرآن الكريم تقابل الإضلال. فلا يصار في تفسيرها إلى المعنى اللغوي من البيان والدلالة التي تعم كل الناس. ولعله لهذا السبب قال بعض المعتزلة باللطف. راجع في هذه المسألة: مفردات الراغب ص (538)؛ مقالات الإسلاميين للأشعري (259)؛ مجرد مقالات الأشعري (102)؛ التوحيد للماتريدي ص (300)؛ أصول الدين للبغدادي ص (140)؛ الإرشاد للجويني (189)؛ المعتمد في أصول الدين لأبي يعلى (133)؛ الإنصاف للباقلاني ص (226)؛ لوامع الأنوار البهية وسواطع الأسرار الأثرية للسفاريني (334) / (1).

(2) سورة فصلت الآية (17).

القضاء والقدر · الصفحة ٢٧٠

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

القضاء والقدرص ٢٧٠