وأما الأستاذ وجدي فهو أوفر نصيبا من الحرية والعلم العصري والأذواق
المدنية للتأويلات والتماسه في الدين مستمد من شعوره باللياقة، أو بما يخالفها
كما يشعر الرجل الذي يعيش في بيئة الحضارة من المصريين المثقفين [5] .
قرأت المنار ومباحث السيد رشيد؛ لأنني كنت أقرأ كل ما كتب الأستاذ الإمام
محمد عبده، وكل ما أوصى بقراءته مما تتناوله طاقتي في سني الدراسة.
وقرأت الأستاذ وجدي؛ لأنني اتجهت إلى هذه الوجهة فأحببت المزيد
فيها وكان أول ما وصل إلي من كتبه (الإسلام في عصر العلم) فكانت أدلته
عندي كافية للإقناع في سن النشأة الأولى.
ولا أزال كلما احتجت إلى بحث مستنير في الفقه والشريعة رجعت إلى كتب
السيد رشيد، وكلما احتجت إلى تفسير مثقف لعقدة من العقد الدينية رجعت إلى رأي
الأستاذ وجدي فيها، وقد أجد في كليهما معا ما ينفعني في كلا الأمرين.
وكتاب (الوحي المحمدي) الذي أظهره صاحب المنار في الأشهر
الأخيرة هو من أفضل ما كتب في مباحثه الدينية: توخى فيه كما قال: (أن
يكون أمضى مدية لقطع ألسنة الطاعنين في الإسلام من دعاة الأديان الأخرى)
وأراد به أن يكون كتابا (يصلح لدعوة شعوب المدنية الحاضرة إلى الإسلام
ببيان البراهين العقلية والتاريخية على كون القرآن وحيا من الله تعالى لا وحيا
نفسيا نابعا من استعداد محمد صلى الله عليه وسلم كما يزعم بعض المتأولين
لإعجازه منهم، وبيان ما فيه من الأصول والقواعد الدينية والاجتماعية
والسياسية والمالية والدفاعية السلمية التي يتوقف على اتباعها صلاح البشر
وعلاج المفاسد المادية وفوضى الإباحة وخطر الحرب العامة التي استهدفت
لها جميع الدول والشعوب في هذا العهد) .
وعندنا أن الأستاذ يستجمع الكثير من أسباب الكفاءة الضرورية بتأليف كتاب
في هذه الموضوع للغرض الذي أبانه، فهو يعلم من أسرار الأصول الإسلامية ما لم
يتيسر في العصر الحاضر إلا للقليلين بين علماء المسلمين، وهو مسموع الرأي في
العالم الشرقي، كثير القراء والمريدين في بلاد الإسلام، وهو أسلم فطرة من جميع
من سمعنا بهم من المتصدين لهذه المباحث بين الشيوخ والفقهاء.
وقد درست بعض فصول الكتاب وتصفحت بعضها فبدا لي أنه ينهج في
الاستدلال العقلي منهجا كفيلا بإقناع العدد الأكبر من قراء هذه المباحث ولا
سيما المسلمين، ولا أشك في سعة انتشاره وفلاحه في تفنيد المزاعم والريب
التي قد تساور الأذهان بين أولئك القراء، فإن لم يبلغ الكتاب كل غرضه
المفصل في فاتحته فهو بالغ من ذلك الغرض ما يستحق تأليف كتب شتى لا
تأليف كتاب واحد، وحسب المؤلف أن يظفر بهذا ليظفر بشيء كثير.
إلا أننا نأخذ على المؤلف نقصين يقعدان به عن بلوغ الغاية في مثل هذا
المبحث إلى جانب المزايا التي توجب عليه طرقه وترجيحه على غيره، وقد
يتلخص النقصان في نقص واحد وهو قلة البصر بأصول (المنطق النفسي) أو
منطق الدراسات النفسية الذي هو وحده عدة البحث في جميع الحقائق العالية
دون المنطق الدارج المألوف في المناقشات اليومية والوقائع الصغيرة.
فالأستاذ رشيد يحسب أن إثبات المسائل التي تناط بالضمير والفكر
وأطوار النفوس والشعوب هو من قبيل إثبات الأشياء المادية التي لها حجم
ووزن ولون ومكان، وقل أن يختلف في مقياسها شاهدان، وعنده أنه يستطيع
أن يبت بجواز حالة في النفس أو استحالتها كما يبت بوجود كرسي أمامه أو
عدم وجوده، فيجزم حيث لا يستطاع الجزم، ويخيل إليه أن قد انتهى من
الرأي وهو لا يزال فيه على عتبة البداية.
هذا من جانب. وأما الجانب الآخر فهو ضيق ملكة (الاحتمال والفرض)
عنده، وهي في باطن الأمر لباب المنطق كله؛ إذ ليس التفكير الصحيح إلا أن
تحتمل الفروض الجائزة ثم تمنعها بالأدلة القاطعة. والأستاذ رشيد يدع نصف
الاحتمالات مغلقا لا يقترب منه ثم يغلق النصف الآخر بأدلة ضعيفة تدع الباب