تحريم القتال في الأشهر الحرم وعملوا بهما قرنا بعد قرن، إلا أنهم أحدثوا فيهما
بدعا كالنسيء في الأشهر والعري للطواف ووضع الأصنام في البيت وغيره،
وكانت هذه البدع والأحداث معروفة عندهم هي ومن أحدثها إلا قليلا منها، ونقل
هذا عنهم في كتب الحديث والتاريخ الإسلامي، ولم يكونوا يسندون عبادة الأصنام
إلى إبراهيم صلى الله عليه وسلم، وقد جاء في سيرة ابن إسحاق أن النبي صلى الله
عليه وسلم قال: (رأيت عمرو بن لحي يجر قصبه في النار؛ لأنه أول من غير
دين إسماعيل فنصب الأوثان وسيب السائبة) ... إلخ، ورواه الطبراني بلفظ:
(غير دين إبراهيم) وهو الذي وضع صنمي إساف ونائلة على الصفا والمروة.
ولكن العمدة في التمييز بين ما كان من مناسك إبراهيم وما لم يكن منها إنما هو
كتاب الله وبيان النبي صلى الله عليه وسلم وهو منقول في كتب الحديث، فما أقره
صلى الله عليه وسلم من تلك المناسك قد صار مشروعا لنا بإقراره إياه لا بنقلهم له،
وقد كان الحمس من قريش يقفون بالمزدلفة دون عرفات ويفيضون منها وظنوا أن
النبي صلى الله عليه وسلم يفعل ذلك في حجة الوداع، فوقف مع الناس وأفاض
ونزل في ذلك ﴿فإذا أفضتم من عرفات﴾ (البقرة: 198) إلى قوله: {ثم
أفيضوا من حيث أفاض الناس} (البقرة: 199) وصوروا إبراهيم وإسماعيل
يستقسمان بالأزلام، فكذبهم النبي صلى الله عليه وسلم بيانا لجعل الله ذلك من الفسق،
بل جاء شرعنا موافقا لبعض عاداتهم فصارت مشروعة لنا، وما كل عاداتهم ولا
تقاليدهم كان قبيحا، فهذا جواب السؤالين الأول والثاني.
وأما الجواب عن الثالث والرابع فهو أن حالة العرب قبل الإسلام سميت جاهلية
لما كان يغلب عليهم من الجهل بالدين والشرائع وغلبة الأمية والوثنية ومفاسدها
عليهم، ولا ينافي هذا تعظيمهم لإبراهيم وإسماعيل وحفظهم لأكثر مناسكهما لما كان
لهم في ذلك من العزة والفخر بالإباء والمنافع المادية في سدانة البيت وموسم الحج،
والفرق بينهم وبين اليهود عظيم، وهو غير محتاج إلى البيان لظهوره على أن هذا
الجواب ليس بمحل له.
-----------------
<span class="footnote">
</span></span>
الكاتب: محمد رشيد رضا
-----------------
<span class="footnote">