باختلاف حال المسلمين في العلم والجهل، وأن المدارس اللادينية التي تنشئها
الجمعيات السياسية والإلحادية تتوخى بث الإلحاد، بل الكفر المطلق بالرسل وما
جاءوا به من الهدى والرشاد.
وقد ثبت بالاختبار أن الإلحاد في الدين قد فشا في المتعلمين في هذه المدارس
كلها على درجات تختلف باختلاف أحوالهم، فمنهم المعطلة الذين لا يؤمنون بالله
ولا بملائكته وكتبه ورسله، ولا بالبعث والجزاء، ومنهم الذين يؤمنون بالله ولا
يؤمنون بالوحي والرسل، ومنهم الشاكون أو اللاأدريون، ومنهم الذين يقولون:
(آمنا بالله وباليوم الآخر وما هم بمؤمنين) ومنهم الذين يلتزمون الجنسية الدينية
السياسية والاجتماعية في الزواج والإرث، والأعياد والمواسم والجنائز ولا يقيمون
الصلاة ولا يؤتون الزكاة ولا يحجون البيت الحرام ولا يصومون رمضان، ومنهم
من يلتزم حرمة شهر رمضان وعاداته وقد يصومون أياما منه، ولا يحرمون ما
حرم الله ورسوله من الخمر والميسر والزنا والربا إلا بالقول دون الفعل.
ومنهم من يصلي ويصوم أحيانا أو دائما؛ ولكنهم لا يعرفون كل ما يجب أن
يعرفه المسلم من عقائد الإسلام وأصول أحكامه وآدابه.
ومن آثار ذلك ما نراه من الفوضى في الأمور الإسلامية والجهل ببعض الأمور
المعلومة من الإسلام بالضرورة التي أجمع علماء المسلمين سلفا وخلفا على كفر
جاحدها، وعدم عذر جاهلها والدعوة إلى مخالفتها في المحاضرات والمناظرات
والكتابة والخطابة؛ وإنك لترى هذا في الصحف المنتشرة، والرسائل والكتب
المنكرة، التي تكتب بأسماء إسلامية في الأحكام الشرعية كحقوق النساء وترجمة
القرآن وغير ذلك.
ومن آثار ذلك ترجيح المتفرنجين وأولي العصبية الجنسية للغات الأجنبية على
لغة الإسلام العربية، بل يجهلون أن الإسلام قد جعل لغة العرب لغة لكل المسلمين
لتكون عبادتهم واحدة، وشريعتهم واحدة، وآدابهم واحدة، ويصدق عليهم قوله
تعالى: ﴿إن هذه أمتكم أمة واحدة﴾ (الأنبياء: 92) من كل وجه.
فتعليم أولاد المسلمين في المدارس التبشيرية والمدارس اللادينيية (لاييك) قد
جنى عليهم في دينهم ودنياهم وسياستهم وأوطانهم، وسلبهم أكثر ما نالوه بهداية دينهم؛
حتى لم يبق منه إلا القليل وهو على وشك الزوال.
إنهم أسلموا أولادهم أفلاذ أكبادهم لأعدائهم لأجل أن يجعلوهم مثلهم فيما كانت
به دولهم عزيزة قوية، فقطعوا عليهم الطريق المستقيم الذي يوصلهم إلى ذلك وهم
لا يشعرون ولا يعقلون، ثم إنهم بعد ذلك كله يمارون الذين ينبهونهم ويبينون لهم
حقيقة حالهم وسوء مآلهم.
وأكبر المصائب على المسلمين أنه ليس لهم دولة إسلامية تقيم الإسلام في
علومه وسياسته وهدايته وتشريعه وتعليمه وتربيته، فيرجعون إليها فيما يختلفون
فيه من أمورهم في بلادها وغير بلادها.
وليس لهم جمعيات علمية دينية حكيمة غنية كجمعيات النصارى واليهود تنشئ
لهم المدارس والملاجئ والمستشفيات الإسلامية فتغنيهم بها عن الالتجاء إلى أعداء
دينهم فيما صاروا يرونه ضروريا من التعليم الذي عليه مدار المعاش في هذا
العصر.
ترك المسلمون هذه الأمور التي هي من فروض الكفايات فكان من سوء تأثير
تركها ارتكاب الأفراد لمعصية الله تعالى في تعليم أولادهم في المدارس التي بينا
ضررها وفسادها في دينهم ودنياهم.
قد يغتر الذين يعرفون الإسلام ويثقون بتربية أولادهم عليه فيظنون أنه يمكنهم
حفظ عقائد أولادهم مع تعليمهم في هذه المدارس، وقلما يصدق ظن أحد منهم.
وضع أخي السيد صالح رحمه الله بنتا له في مدرسة البنات الأميركانية
بطرابلس الشام، وهي ناشئة في بيت قلما يوجد نظير له في بيوت المسلمين في
معرفة الإسلام والاعتصام به، وكان السيد صالح بارعا في جدال القسوس
والمبشرين شديد العارضة قوي الحجة، وكان يكون له الفلج والظفر بهم في كل
مناظرة؛ لكنه كاد يعجز عن إقناع بنته ببطلان ما لقنتها المدرسة من الأناشيد في