تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

فريق فيها، ثم يتبع ذلك عدد أعضاء كل منهما في المؤتمر وتعيين شخوصهم،

وعاد إلى مصر، فبلغ الناس والصحف أنه تم له ما أراد، ثم ظهر أنه ما كان قد

بقي كما كان.

ثم عاد من أوربة مولانا شوكت علي، لأجل حضور المؤتمر، وسافر هو

وصديقه عبد الحميد بك سعيد إلى القدس قبل موعد عقد المؤتمر، وحاولا عقد

الصلح بين الفريقين فلم يتم لهما ما حاولا، ورأيا أن الإباء من السيد الحسيني

فسخطا منه وسخط هو منهما، وقد كانا من أصدقائه الحريصين على نجاح المؤتمر،

وظهر هذا السخط في المؤتمر للكثيرين وبعد انتهائه للناس أجمعين، فكان مدعاة

الأسف.

أما وجهة نظرهما ونظر أعوانهما ممن حضر المؤتمر من أصدقاء عبد الحميد

بك سعيد فهو أن الصلح خير من الخصام بنص القرآن واتفاق جميع الناس، وأنه

لا ينبغي أن يؤلف مؤتمر في فلسطين لأجل مصالح المسلمين، وجمع كلمتهم على

ما يمكن من المنافع العامة وأهلها في شقاق وخصام يمنع من اشتراك جميع أحزابهم

فيه.

وأما وجهة نظر الحسيني وحزبه فهو أن هؤلاء المعارضين له في المؤتمر

وغيره فئة سيئة النية معادية له في جميع أعماله تبدل حسناته سيئات، لا ينافي

سخطهم ومعارضتهم رضاء السواد الأعظم من الفلسطينيين وتأييدهم للمؤتمر،

وأنهم لما عجزوا عن إحباط مشروع المؤتمر من الخارج أرادوا الدخول فيه لإحباط

مقاصده من الداخل، وتوسلوا إلى هذا بنشر المطاعن الفظيعة في جميع العالم

بجريدة خاصة لهم وبالمنشورات الخاصة منهم، وشايعهم اليهود الصهيونيون في

جرائدهم، ولو أرادوا الصلح الصحيح لما توسلوا إليه بهذه الوسيلة، فالشر لا يكون

وسيلة إلى الخير، والباطل لا يكون ذريعة للحق، وإن تصدي الدكتور عبد الحميد

بك سعيد للصح أولا، ومساعدة مولانا شوكت علي له ثانيا بما كان من الاجتماع

بهؤلاء الخصوم، وإظهارهم الميل إليهم وحقيقة مطالبهم - قد نأى بهم عن الصلح

المعقول، إذ رأوا أن لهم أنصارا أقوياء يعتقدون أنهم ينفذون رغبة الحكومة

المصرية العظيمة الشأن، وأنه لولا هذا لكان الصلح قريب المنال.

رأيي وخطتي في الصلح:

إنني لما علمت أن صديقي الدكتور عبد الحميد بك سعيد أراد الذهاب إلى

القدس لأجل السعي بالصلح أول مرة - عنيت بلقائه وتحبيذ سعيه وما أراه فيه،

وكنت أظن أن أول ما يجب أن يقوم به هو أن يتضمن الصلح براءة المعارضين

من مثل مطاعن جريدة مرآة الشرق، ومخرجا مقبولا من المطاعن التي نشروها

بأسمائهم وأسماء من شايعهم، ووضع أساس لاستبدال المودة بالعداوة، والتعاون

بالمعارضة.

وجملة القول: أنه ما كان ليرجى وقوع الصلح بين فريقين شأنهما ما بيناه في

هذا المقال بإشراك خصوم القائم بفكرة المؤتمر في عمله الداخلي مع بقاء عداوتهم

الراسخة له في بيته وحزبه وسياسته ووظيفته؛ لأنه عبارة عن حرمان نفسه شرف

هذا العمل وكفالته، ورضاه بأن تدخل المعارضة له فيه نفسه.

ولو وقف الساعون بهذا الصلح عند الحد الذي انتهوا إليه لما كان له ولا لغيره

أن يلومهم فيه؛ ولكنهم كتبوا بيانا في خلاصة سعيهم سجلوا فيه عليه أنه هو الذي

أبى الصلح بعد أن كانوا أقنعوه به، وشهدوا لخصومه بحسن النية في مطالبهم، مع

العلم بما كان من مطاعنهم الشديدة في شخصه وذمته وشرفه وأعماله في رياسة

المجلس الإسلامي الأعلى من أول عهده إلى آخره، ومع العلم بأنهم أعوان المحتلين.

إنني محب لعبد الحميد بك سعيد وصديق، وأحمد له نهوضه بتأسيس جمعية

الشبان المسلمين التي تمنيت وجودها وسعيت له منذ عشرات السنين، وأعتقد أنه

كان حسن النية فيما سعى إليه بحسب رأيه واجتهاده في سياسته، ولو ندبني للسعي

معه للصلح بعد اجتماعنا في القدس لانتدبت كدأبي معه فيما يدعوني إليه من خدمة

لجمعية الشبان المسلمين، وأدلي إليه أحيانا بما أراه من المصلحة تبرعا واحتسابا،

وأعتقد أنه لا يشك في إخلاصي له حتى فيما يختلف فيه رأيه ورأيي، ومنه أنني

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ٣٢ · الصفحة ٧٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ٣٢ · ص ٧٦