كتاب مفتي القدس
إلى رئيس الوزراء
حضرة صاحب الدولة رئيس الوزارة المصرية الأفخم:
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد فإني أؤيد لدولتكم ما جرى به الحديث
بيننا اليوم من أن الموضوعات التي سيتناولها البحث في المؤتمر الإسلامي الذي
سيعقد في بيت المقدس في 27 رجب سنة 1350 ستكون بعيدة كل البعد عن أن
تمس الشؤون المصرية البحتة من سياسية وقومية، أو تتعرض لما يتعلق بالأزهر
الشريف، الذي أود بمناسبته ألا يتسرب إلى الذهن بأي حال من الأحوال أن الجامعة
المراد إقامتها في القدس قد قصد من إنشائها أي مرمى غير خدمة مسلمي فلسطين
الذين هم في حاجة إلى كلية مدنية بجانب الكلية التي أنشئت لغير المسلمين،
وستتخذ التدابير الفعالة لعدم تخطي المناقشات الدائرة السالفة الذكر، كذلك ستحرص
اللجنة كل الحرص على أن لا تؤدي الرخصة العامة الواردة في البرنامج بشأن
الاقتراحات إلى الخروج بقدر ما عن هذه الدائرة، وإني أنتهز هذه الفرصة لأصرح
لدولتكم أن ما ذاع بشأن تناول أبحاث المؤتمر مسألة الخلافة ليس لها أساس من
الصحة على الإطلاق، كما أني أبدي مزيد الاغتباط لتأكيد دولتكم لنا بعد ما سمعتم
من تصريحاتنا بشأن المرامي الحقيقية للمؤتمر، أن حكومتكم تنظر إليه بعطف
ورعاية.
وتفضلوا يا صاحب الدولة بقبول فائق الاحترام
... ... ... ... ... رئيس المجلس الإسلامي الأعلى بفلسطين
... ... ... ... ... ... إمضاء (محمد أمين الحسيني)
26 جمادى الثانية سنة 1350 ه
ما حدث بعد الاتفاق مع الحكومة:
بعد هذا سكن الروع، وسكت الغضب، وكف الأزهريون عن الطعن في
المؤتمر، فاستغنيت عن المضي في السعي الذي كنت بدأت به مع صاحب الفضيلة
الأستاذ الشيخ عبد المجيد سليم مفتي الديار المصرية، لدرء الفتنة ورتق الفتق ليمهد
له السبيل مع الأستاذ الأكبر شيخ الأزهر قبل التلاقي مع الأستاذ السيد محمد أمين
الحسيني، وقد تلاقيا على وفاق؛ ولكن ما كاد يعلم الناس بوجود هذا السيد الوجيه
في القاهرة حتى أقبل الوجهاء على السلام عليه كعادتهم، ودعوته إلى مآدبهم،
وكان أسبقهم إلى ذلك زعماء الوفد المصري أصحاب الدولة والمعالي الوزراء
السابقون مصطفى باشا النحاس ومحمد فتح الله باشا بركات ونجله بهي الدين بركات
والأستاذ مكرم عبيد، فكان من رأي الذين يودون عطف الحكومة الملكية المصرية
عليه وعلى المؤتمر، إعجاله ليعود أدراجه إلى القدس، خشية انتكاث الفتل والتياث
الأمر، بفتنة الأحزاب المستحرة في مصر، فأعجزهم لوثه وصرفه عن إجابة كل
داع، وحجته أنه غريب يجب أن يكون سلما لكل الناس، فعاد حزب الحكومة إلى
التثريب عليه وتفنيد رأيه، وأذاعوا أنه أحبط بهذا كل ما كان مرجوا له أو موعودا به
من العطف العالي، والنوال المالي، وعاد المعارضون له في وطنه يذيعون بألسنتهم
وأقلام جرائدهم أن الحكومة المصرية غير راضية منه، ولا هي بعاطفة على
مؤتمره، ولقنهم أنصارها في مصر ما أذاعوه هنا من أن الحكومة سجلت عليه ما
حملته على كتابته ونشره في الجرائد من تقييد المؤتمر بما كتبه في بلاغين له ونشره
في الجرائد من غير أن تقيد نفسها بكتابة شيء، بل قيل ونشر في الجرائد أن وزارة
الداخلية أرسلت إليه أحد رجالها من دائرة حفظ الأمن العام لحمله على السفر خفية
خيفة حدوث مظاهرة له أو بسببه تضطر إلى مقاومتها بالقوة، دأبها في مقاومة كل
هذه المظاهرات الحزبية، وقد وافق هذا عادته في عوداته من مصر إلى فلسطين في
زياراته السابقة، فسافر ولم يعلم الناس ولا الجرائد بيوم سفره.
السعي للصلح في فلسطين:
انتدب الدكتور عبد الحميد بك سعيد للصلح بين السيد الحسيني وراغب بك
النشاشيبي وأعوانهما، فذهب إلى القدس، وفاوض الفريقين على قاعدة اشتراك
المعارضين مع المجلسيين في لجنة المؤتمر التحضيرية وعدد الأعضاء من كل