المَعْقِدُ الثَّالِثَ عَشَر: بَذْلُ الجُهْدِ فِي تَحَفُّظِ العِلْمِ، وَالمُذَاكَرَةِ بِهِ، وَالسُّؤَالِ عَنْهُ
إِذْ تَلَقِّيهِ عَنِ الشُّيُوخِ لَا يَنْفَعُ بِلَا حِفْظٍ لَهُ، وَمُذَاكَرَةٍ بِهِ، وَسُؤَالٍ عَنْهُ؛ فَهَؤُلَاءِ تُحَقِّقُ فِي قَلْبِ طَالِبِ العِلْمِ تَعْظِيمَهُ؛ بِكَمَالِ الالْتِفَاتِ إِلَيْهِ وَالاشْتِغَالِ بِهِ، فَالْحِفْظُ خَلْوَةٌ بِالنَّفْسِ، وَالمُذَاكَرَةُ جُلُوسٌ إِلَى القَرِينِ، وَالسُّؤَالُ إِقْبَالٌ عَلَى العَالِمِ.
وَلَمْ يَزَلِ العُلَمَاءُ الأَعْلَامُ يَحُضُّونَ عَلَى الحِفْظِ وَيَأْمُرُونَ بِهِ. سَمِعْتُ شَيْخَنَا ابْنَ عُثَيْمِينَ يَقُولُ: «حَفِظْنَا قَلِيلًا وَقَرَأْنَا كَثِيرًا؛ فَانْتَفَعْنَا بِمَا حَفِظْنَا أَكْثَرَ مِنِ انْتِفَاعِنَا بِمَا قَرَأْنَا».
وَبِالْمُذَاكَرَةِ تَدُومُ حَيَاةُ العِلْمِ فِي النَّفْسِ، وَيَقْوَى تَعَلُّقُهُ بِهَا، وَالمُرَادُ بِالْمُذَاكَرَةِ مُدَارَسَةُ الأَقْرَانِ.
وَقَدْ أُمِرْنَا بِتَعَاهُدِ القُرْآنِ الَّذِي هُوَ أَيْسَرُ العُلُوم.
رَوَى البُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «إِنَّمَا مَثَلُ صَاحِبِ القُرْآنِ كَمَثَلِ صَاحِبِ الإِبِلِ المُعَقَّلَةِ؛ إِنْ عَاهَدَ عَلَيْهَا أَمْسَكَهَا، وَإِنْ أَطْلَقَهَا ذَهَبَتْ».