المَعْقِدُ التَّاسِعَ عَشَرَ: شَغَفُ القَلْبِ بِالعِلْمِ، وَغَلَبَتُهُ عَلَيْهِ
فَصِدْقُ الطَّلَبِ لَهُ يُوجِبُ مَحَبَّتَهُ، وَتَعَلَّقَ القَلْبِ بِهِ، وَلَا يَنَالُ العَبْدُ دَرَجَةَ العِلْمِ حَتَّى تَكُونَ لَذَّتُهُ الكُبْرَى فِيهِ.
وَإِنَّمَا تُنَالُ لَذَّةُ العِلْمِ بِثَلَاثَةِ أُمُورٍ - ذَكَرَهَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ ابْنُ القَيِّمِ -:
أَحَدُهَا: بَذْلُ الوُسْعِ وَالجَهْدِ.
وَثَانِيهَا: صِدْقُ الطَّلَبِ.
وَثَالِثُهَا: صِحَّةُ النِّيَّةِ وَالْإِخْلَاصُ.
وَلَا تَتِمُّ هَذِهِ الْأُمُورُ الثَّلَاثَةُ، إِلَّا مَعَ دَفْعِ كُلِّ مَا يُشْغِلُ عَنِ القَلْبِ.
إِنَّ لَذَّةَ العِلْمِ فَوْقَ لَذَّةِ السُّلْطَانِ وَالحُكْمِ الَّتِي تَتَطَلَّعُ إِلَيْهَا نُفُوسٌ كَثِيرَةٌ، وَتُبْذَلُ لِأَجْلِهَا أَمْوَالٌ وَفِيرَةٌ، وَتُسْفَكُ دِمَاءٌ غَزِيرَةٌ.
وَلِهَذَا كَانَتِ الْمُلُوكُ تَتُوقُ إِلَىٰ لَذَّةِ العِلْمِ، وَتُحِسُّ فَقْدَهَا، وَتَطْلُبُ تَحْصِيلَهَا.