المَعْقِدُ الخَامِسَ عَشَرَ: رَدُّ مُشْكِلِهِ إِلَى أَهْلِهِ
فَالمُعَظَّمُ لِلْعِلْمِ يَعَوِّلُ عَلَى دَهَاقِنَتِهِ وَالجَهَابِذَةِ مِنْ أَهْلِهِ لِحَلِّ مُشْكِلَاتِهِ، وَلَا يُعَرِّضُ نَفْسَهُ لِمَا لَا تُطِيقُ؛ خَوْفًا مِنَ الْقَوْلِ عَلَى اللَّهِ بِلَا عِلْمٍ، وَالافْتِرَاءِ عَلَى الدِّينِ، فَهُوَ يَخَافُ سَخْطَةَ الرَّحْمَنِ قَبْلَ أَنْ يَخَافَ سَوْطَ السُّلْطَانِ؛ فَإِنَّ العُلَمَاءَ بِعِلْمٍ تَكَلَّمُوا، وَبِبَصَرٍ نَافِذٍ سَكَتُوا؛ فَإِنْ تَكَلَّمُوا فِي مُشْكِلٍ فَتَكَلَّمْ بِكَلامِهِمْ، وَإِنْ سَكَتُوا عَنْهُ فَلْيَسَعْكَ مَا وَسِعَهُمْ.
وَمِنْ أَشَقِّ المُشْكِلَاتِ الفِتَنُ الوَاقِعَةُ، وَالنَّوَازِلُ الحَادِثَةُ، الَّتِي تَتَكَاثَرُ مَعَ امْتِدَادِ الزَّمَنِ.
وَالنَّاجُونَ مِنْ نَارِ الفِتَنِ، السَّالِمُونَ مِنْ وَهَجِ المِحَنِ، هُمْ مَنْ فَزِعَ إِلَى العُلَمَاءِ وَلَزِمَ قَوْلَهُمْ، وَإِنِ اشْتَبَهَ عَلَيْهِ شَيْءٌ مِنْ قَوْلِهِمْ أَحْسَنَ الظَّنَّ بِهِمْ؛ فَطَرَحَ قَوْلَهُ وَأَخَذَ بِقَوْلِهِمْ، فَالتَّجْرِبَةُ وَالخِبْرَةُ هُمْ كَانُوا أَحَقَّ بِهَا وَأَهْلَهَا، وَإِذَا اخْتَلَفَتْ أَقْوَالُهُمْ لَزِمَ قَوْلَ جُمْهُورِهِمْ وَسَوَادِهِمْ؛ إِيثَارًا لِلسَّلَامَةِ؛ فَالسَّلَامَةُ لَا يَعْدِلُهَا شَيْءٌ.