بين النفي وبين الإثبات - ونحن أبطلنا أحد القسمين - فحينئذ يبقى الثاني لا محالة. فكان إلقاء لفظ «الكسب» في هذا الموضوع: محض التزوير.
والجواب: لا شك أن القرآن مملوء من هذا النوع من الآيات. فإنكارها يكون إنكارا للقرآن، وقد دلت الدلائل القاهرة على أن الكل بقضاء اللَّه وقدره، فلا بد من التوفيق بين البابين. فنقول: مجموع القدرة مع الداعي مؤثر في الفعل، وخالق ذلك المجموع هو اللَّه تعالى ولكون هذا المجموع مستلزما لحصول الفعل، صحت هذه الإضافات والإسنادات. ولكون ذلك المجموع، موجبا لوقوع هذه الأفعال، صح أن الكل بقضاء اللَّه وبقدره، وبهذا الطريق يزول التناقض بين الدلائل العقلية وبين هذه الدلائل القرآنية.
قال مولانا الداعي إلى اللَّه:
واعلم: إن هذا إنما يتم على مذهبي خاصة (1). حيث قلت: مجموع القدرة مع الداعي مستلزم للفعل، أما من لا يقول بذلك فإنه يتعذر عليه التصديق بهذه الآيات. والطريق الثاني للمعتزلة في هذا الباب: أن قالوا: ليس للفعل اسم في لغة العرب، إلا وقد دل القرآن على إضافة الفعل إلى العبد بذلك الاسم.
واعلم: أن تلك الألفاظ ثمانية:
فالأول: العمل. قال تعالى: أ - مَنْ عَمِلَ صالِحاً فَلِنَفْسِهِ (2) ب - لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَساؤُا بِما عَمِلُوا (3) ج - إِنّا جَعَلْنا ما عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَها، لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً (4) د - أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئاتِ. أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ (5)؟ ه- أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ، كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ (6) و- لمثل هذا
(1) لا أرى أن مسألة القدر من المسائل التي يصح فيها أن يقال «مذهبي خاصة» لأن المسألة ليست مسألة مذهب أو رأي وإنما هي مسألة حقيقة مستفادة إما من واقع الإنسان ككائن يقع في الوسط بين عالمي الغيب والشهادة، وإما من واقع النصوص القرآنية والحديثية بشكل لا يخل بالنصوص، ولا يحولها إلى مجموعة مجازات لغوية ..
(2) سورة فصلت الآية (46).
(3) سورة الكهف الآية (7).
(4) سورة الجاثية الآية (21).
(5) سورة ص الآية (28).
(6) سورة الصافات الآية (61).