غرة رمضان - 1318ه
23ديسمبر - 1900م
الكاتب: محمد رشيد رضا
-----------------
<span class="footnote">
المحاورات بين المصلح والمقلد
المحاورة الثانية
الاستدلال على قيام الساعة بالقرآن. طرق هذا الاستدلال وإبطالها. عدم
قبول قول بغير دليل. قطعية أدلة المسائل الاعتقادية. منعهم الاجتهاد إنما هو في
الفروع دون الأصول. الوقوف عند إجماع السلف. ادعاء المقلدين الاجتهاد في
العقيدة. الخلاف في إيمان المقلد. حديث إن للقرآن ظهرا وبطنا. حكاية سيدنا
عيسى مع المؤدب. الاستدلال على قيام الساعة بحروف أوائل السور. الطعن في
هذه الاستدلالات , عدم الثقة بأكثر ما يروى عن ابن عباس في التفسير. حكاية أو
ثنتان عن بعض الشيعة في الاستنباط من أوائل السور.
عاد الشيخ المقلد والشاب المصلح إلى الكلام. وفاء بما تعاهدا عليه من بضعة
أيام. وافتتح الشيخ المحاورة. واستأنف المناظرة , فقال (المقلد) : لم أترك
الجواب عن كلامك في مجلسنا الماضي لعجز , ولا لكونه مقنعا , وإنما رأيت في
بعضه إبهاما وغموضا لا بد لي من استيضاحه قبل الخوض فيه , وهو قولك: إن
لك فهما في كون ترك الشريعة هو العلة الأولى أو كما يقولون علة العلل لضعف
المسلمين , ربما كان غير ما أريد مع أن هذا أمر واضح لا يصح أن يكون محلا
للاختلاف في الفهم. ورأيتك أنكرت المهدي ولم ينكره قبلك أحد من المسلمين إلا
من لا يعتد بإنكاره كابن خلدون فقد كنت سمعت عن المرحوم علي باشا مبارك أن
هذا الرجل أنكر المهدي وطعن في أسانيد الأحاديث المروية فيه. وهو لم
يكن عالما وإنما كان مؤرخا. ثم إنك أنكرت قرب قيام الساعة مع أنه صار من
البديهيات التي يعرفها الصبيان والنسوان , ولم ترض بدلالة الآية والحديث عليها
كأنك تنكر أن في الكتاب والسنة أخبارا عن المغيبات , ولم ترض بهذا كله حتى قلت
تلك الكلمة الكبيرة التي لو مزجت بماء البحر لمزجته وهي (إبطال المذاهب) وجعل
المسلمين على طريقة واحدة , ولم أفهم معنى هذه الطريقة التي تنافي المذاهب ,
والمعروف أن أهل طرائق التصوف كلهم متبعون للمذاهب الأربعة بل الأقطاب
الأربعة رضي الله عنهم كانوا كلهم شافعية , إلا أن الشيخ عبد القادر رجع إلى مذهب
الحنبلية أخيرا لأجل إحيائه لأنه كاد يندرس , وإن اعترضت علي بقول القطب
الشعراني: إن هؤلاء الأقطاب قد اطلعوا بالكشف على عين الشريعة , وصاروا
مجتهدين. فاعتراضك يكون حجة عليك لأنهم باطلاعهم على عين الشريعة رأوا أن
جميع أئمة المذاهب مصيبون , وأن اختلافهم رحمة , ولذلك لم يتركوا المذاهب
بعد هذا الاطلاع , ولا أمروا الناس بتركها. فكل كلمة من كلماتك تحتاج إلى
شرح طويل , ولذلك اخترت تأخير المناظرة لأراجع الكتب , وأستحضر النقول
للرد عليك وإرجاعك عن هذه الشبه المتمكنة منك.
(المصلح) : إنني أشترط في مناظرتنا هذه شرطا لابد منه , ولا يظهر
الحق إلا به وهو أن لا يقبل أحدنا للآخر مناقضة ولا معارضة إلا بسند قوي ,
وبرهان جلي. ولا ينهض برهان شرعي على مسألة اعتقادية إلا إذا كان نصا
قطعيا لآية قرآنية أو حديث متواتر لأن أخبار الآحاد - وإن صحت - فهي ظنية
الدلالة , والظن في الاعتقاد ضلال. قال تعالى: {إن الظن لا يغني من الحق
شيئا} (يونس: 36) وقال: ﴿فماذا بعد الحق إلا الضلال﴾ (يونس: 32) .
وإذا كانت الأحاديث الصحيحة غير المتواترة لا يحتج بها في المسائل الاعتقادية
بالاتقاق فما بالك بكلام العلماء وبشارات الصلحاء أليست أجدر بعدم القبول؟
(المقلد) : لقد قلت قولا أصوليا لا ينكر , ولكن العمل به من وظيفة
المجتهدين ويظهر لي أنك تدعي الاجتهاد , وإنني أخشى على دينك من هذه الدعوى
فمن استبد برأيه زل , والله تعالى يقول: {فإن زللتم من بعد ما جاءتكم البينات
فاعلموا أن الله عزيز حكيم} (البقرة: 209) وهو تهديد عظيم.
(المصلح) : الآية حجة عليك لأنها مصرحة بأن الوعيد إنما ينتظر من
جاءته البينات , ولم ينظر فيها ويهتد بها فهي تتناول المقلد كما تتناول المعطل
والجهول المهمل , ثم إن الذين منعوا الاجتهاد إنما منعوه في الفروع , وأما المقلد
في أصول الدين فأهون ما قالوا في شأنه: إن إيمانه مختلف فيه , وبعضهم ينقل
الإجماع على عدم صحة إيمانه , وإذا كان بحث الاجتهاد والتقليد من أهم المسائل
التي نتناظر فيها , فإلزامك إياي بالتقليد من غير دليل هروب من المناظرة وترك
لها.
(المقلد) : أنا لست مقلدا في عقيدتي , ولا آمر أحدا بالتقليد فيها , وإنما
أقول: يجب على المجتهد أن يوافق بعض الأئمة في اجتهاده كالأئمة الأربعة ,
والإمامين الأشعري والماتريدي وأتباعهم من العلماء وإلا كان كافرا أو مبتدعا أو
ضالا فاسقا.
(المصلح) : عجبا لمن يدعي أنه غير مقلد , ويشترط في الاجتهاد التقليد ,
ولو قلت: يجب أن لا يخرج عما وقع الإجماع من السلف على أنه من الدين
لسلمت لك تسليما لأن الاجتهاد المؤدي إلى الخروج عما كان عليه الصدر الأول
عامة اجتهاد فيما وراء الإسلام , وإنما كلامنا في الاجتهاد في الدين الإسلامي ,
ووجود الخلاف بين الأئمة المهتدين في مسألة؛ دليل على أنها غير مجمع فيها على
شيء , ومتى كانت كذلك يجب أن يأخذ الناظر فيها بما يقوم عليه الدليل عنده من
غير ملاحظة موافقة أحد أو مخالفته , ولا معنى لكونه متبعا للدليل إلا هذا , وإن
كثيرا من المشتغلين بالعلم الديني يغشون أنفسهم بدعوى معرفة العقيدة بالدليل
والبرهان , ويحسبون أنهم بقراءة ما كتبه السنوسي وأضرابه من الأدلة على مسائل
الاعتقاد قد سلموا من الخلاف في إيمانهم أو مما حكاه السنوسي وغيره من الإجماع
على كفر المقلد.
(المقلد) : إنني أحب قبل الخوض في تحرير مسألة الاجتهاد والتقليد أن
أقف على رأيك في الاستدلال على قيام الساعة بحساب الجمل ونحوه من الإشارات
القرآنية , ومن دلالة الحروف في أوائل السور فإني تنسمت من كلامك السابق أنك
من أهل الجمود على الظاهر المخالفين لأهل الكشف الذين يعتمدون على هذه
الدلالات بل هم الذين استخرجوها من القرآن بصفاء باطنهم ونورانية قلوبهم.
وإنني أقبل شرطك إذا أنت سلمت لي بهذه الدلالات.
(المصلح) : إن شرطي يشمل هذه الدلالات أيضا فإذا نهضت لك حجة
عليها فإنني أخضع لها لا محالة.
(المقلد) : أما الإشارات القرآنية فقد ورد في الحديث (إن للقرآن ظهرا
وبطنا وحدا ومطلعا) ,وأما دلالة الحروف فقد كانت معروفة عند الأنبياء السابقين
فإنني رأيت في قصص الأنبياء أن سيدنا عيسى عليه الصلاة والسلام أخذته
والدته لما كان له سبعة أشهر من العمر إلى الكتاب ليتعلم , ولا يخفاك أنه تكلم في
المهد. فقال له المؤدب: قل: أبجد , فقال عيسى للمعلم: هل تدري ما أبجد؟
فعلاه بالدرة ليضربه , فقال: يا مؤدب لا تضربني , وإن كنت لا تدري فاسألني
حتى أفسره لك. قال: فسره لي. فقال عيسى عليه السلام: الألف آلاء الله ,
والباء بهجة الله , والجيم جمال الله , والدال دين الله. هوز - الهاء هول جهنم ,
والواو ويل لأهل النار , والزاي زفير جهنم. حطي - حطت الخطايا عن
المستغفرين. كلمن - كلمات الله لا مبدل لكلماته. قرشت - قرشهم فحشرهم. فقال
المؤدب: خذي ولدك أيتها المرأة فقد علم ولا حاجة له بالمؤدب. ولا شك أن هذا
تعليم إلهي يجب قبوله.
وقد ورد في ديننا ما يؤيد هذا , روي عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال
في تفسير (الم) : الألف آلاء الله واللام لطفه والميم ملكه. وقال في تفسير (الر)
و (حم) و (ن) :إن مجموعها اسم الله (الرحمن) , وروي عنه أيضا أنه قال
في تفسير (الم) : أنا الله أعلم. وهذا يدل على أن الحرف يجوز أن يكون مأخوذا
من أوساط الكلمات وأواخرها , كما يجوز أن يكون مأخوذا من أوائلها. وروي عنه
أيضا أن (الألف من الله واللام من جبرائيل والميم من محمد) أي أن القرآن منزل
من الله تعالى بلسان جبرائيل على محمد صلى الله عليه وسلم. وأما حساب الجمل
ف
....
(المصلح) : مهلا حتى نفرغ من الإشارة ودلالة الحروف المفردة , أما
حديث (إن للقرآن ظهرا وبطنا) ويروى ظاهرا وباطنا , فلا أنكر أنه رواه من
أصحاب السنن ابن حبان وقد كان متساهلا في الجرح , ولذلك طعنوا في كثير من
رجاله , وإن من الناس من يعتقد أن هذا الحديث من موضوعات الباطنية , وما كل
صحيح رواية يصح في الواقع. على أن العلماء فسروا الظاهر باللفظ أو التلاوة ,
والباطن بالتأويل أو الفهم , وبعضهم قال: الظاهر الإخبار بهلاك الأولين , والباطن
وعظ الآخرين. وقال ابن النقيب: (إن الظاهر هو المتبادر للعلماء من معنى
الألفاظ , والباطن أسراره التي تظهر لأهل الحقائق) يشير إلى حديث: (إلا أن
يؤتي الله رجلا فهما في القرآن) ولا دليل على أن ذلك يكون بغير الطرق
المضبوطة في الدلالة. وقالوا: إن الحد أحكام الحلال والحرام , والمطلع الإشراف
على الوعد والوعيد , أو الحد منتهى ما أراد الله من معناه , والمطلع ما يتوصل به
إلى معرفته , ولم يقل أحد: إن الحديث يدل على ما ذكرت. وأما حديث سيدنا
عيسى مع المؤدب فلا يصح.
وأما ما روي عن ابن عباس في التفسير فأكثره موضوع لا يصح لأنه مروي
من طريق الكذابين الوضاعين كالكلبي والسدي ومقاتل بن سليمان ذكر ذلك الحافظ
السيوطي وسبقه إليه شيخ الإسلام ابن تيمية بل إن رواية هؤلاء وأضرابهم التفسير
عنه هي المقصودة من قول الإمام أحمد رحمه الله تعالى: (ثلاثة كتب ليس لها
أصل: المغازي والملاحم والتفسير) قالوا: إنه أراد كتبا مخصوصة في هذه
المعاني الثلاثة غير معتمد عليها لعدم عدالة ناقليها , وزيادة القصاص فيها , وذكروا
منها تفسير هؤلاء , بل نقلوا عن الإمام أنه قال في تفسير الكلبي: (من أوله إلى
آخره كذب لا يحل النظر فيه) .
وقالوا: إن كل من ينقل في تفسيره الأحاديث الموضوعة لا يوثق بتفسيره
بالمأثور , من هؤلاء الثعلبي والواحدي والزمخشري والبيضاوي.
وقد نص المحدثون في كتب الموضوعات على أنه لم يثبت في تفسير القرآن
بالحروف نقل , ومثلوا له بما وضعه المبتدعة بعد وقوع الفتن في الملة كقولهم في
تفسير (حم عسق) : إن الحاء حرب علي ومعاوية , والميم ولاية المروانية ,
والعين ولاية العباسية , والسين ولاية السفيانية , والقاف قدرة المهدي. وقولهم: إن
العين عذاب الله , والسين السنة والجماعة , والقاف قوم يقذفون آخر الزمان.
وقالوا: إن هذا كله موضوع باطل.
نكتفي بهذا في إبطالها من حيث الرواية , وأما من حيث الدراية فكيف تصح
دلالة الاقتطاع والاختزال , وليس لها حد ولا رسم تعرف به إذ يمكن أن تجعل كل
حرف مأخوذا من أية كلمة فيها ذلك الحرف؟ إذ لا ضابط للأخذ من وضع أو عقل
أو طبع , وحينئذ يصح أن يستدل بهذه الحروف على الكفر كما يستدل بها على
الإيمان. وأن يشار بها تارة إلى الفلاح وطورا إلى الخسران. وأنت ترى أن هذا
من الهذيان. الذي يجب أن ينزه عنه القرآن.
(المقلد) : أحسنت وأصبت في هذه , وثم طريقة أخرى للأخذ من من
حروف أوائل السور , وهي أن تجمع هذه الحروف , ويركب من مجموعها كلام أو
مما يبقى بعد حذف المكرر , ومن الناس من استنبط أمورا غيبية من مهملها أو
معجمها, ولا أطيل عليك في هذا فإنك من سعة الاطلاع فوق ما كنت أظن , فما
قولك في هذا؟ .
(المصلح) : هذه الطريقة كسابقتها في الفساد , وأذكر فيها واقعة لطيفة
حدثت في بلاد الشام وهي أن بعض غلاة الروافض استنبط من هذه الحروف بعد
حذف المكرر هذه الجملة (علي حق صراط نمسكه) , واستدل بها على أن عليا
كرم الله وجهه كان أحق بالرسالة من محمد عليه الصلاة والسلام. وقد نميت هذه
الجملة إلى أحد أمراء العسكرية فضاق بها ذرعا , وحاول تحويلها إلى ما يوافق
مذهب السنة فلم يجد إلى ذلك سبيلا حتى هداه أحد الوجهاء إلى بعض العلماء
الأذكياء [5] فكتب إليه ذلك العالم الفاضل ما نصه:
(بلغني أن بعض الرافضة عبث بأوائل الكتاب المجيد فغير مألوفه. ونكر
معروفه. وقدم وأخر. فقتل كيف قدر. ثم استنبط منها (علي حق صراط نمسكه)
مستدلا بذلك على رأيه الفاسد. ومعتقده الكاسد. أن عليا هو الأحق بالرسالة.
فنقول حيث ارتضيت أوائل السور بيننا حكما. واستخرجت منها في زعمك حكما.
فلتنصرن أوائل السور الأخيار منا على الأشرار. ولتميزن بين أصحاب الجنة
وأصحاب النار. هذه أوائل السور تقول بلسان حالها في خطاب القرآن. وما فيه
من البلاغة والتبيان (يحق لسامعك نصر طه * ناصر طه مسك على حق * ما
سعي لحق كنصر طه * لطه كم سعى نصار حق) .
ولم يرض من مثل هذه الجمل إلا بعشر وجعل الجملة الأخيرة مطلعا لأبيات
نظمها في المسألة وهو:
لطه كما سعى نصار حق ... فها أنا ذاك من نصار طه
وهذا الاستنباط للشيعة قديم وإنما يستدل به المعتدلون منهم على أحقية علي
بالخلافة لا بالنبوة. قال العلامة الألوسي في تفسير ﴿الم﴾ (البقرة: 1) :
(ومن الظرائف أن بعض الشيعة استأنس بهذه الحروف لخلافة الأمير علي
كرم الله تعالى وجهه , فإنه إذا حذف منها المكرر يبقى ما يمكن أن يستخرج منه
(صراط علي حق نمسكه) ولك أيها السني أن تستأنس بها لما أنت عليه فإنه بعد
الحذف يبقى ما يمكن أن يخرج منه ما يكون خطابا للشيعي , وتذكيرا له بما ورد
في حق الأصحاب رضي الله تعالى عنهم أجمعين وهو (طرق سمعك النصيحة)
وهذا مثل ما ذكروه حرفا بحرف. وإن شئت قلت: (صح طريقك مع السنة)
ولعله أولى وألطف) اه.
(المقلد) : أحسنت في هذه أيضا , ولا أراك تقوى على إبطال حساب
الجمل لأنه استعمال قديم. روي عن أبي العالية رضي الله عنه أنه كان يرى أن
أوائل السور تدل على مدد أقوام وآجالهم مستدلا بحديث اليهود. وهو أن النبي
صلى الله عليه وسلم قرأ على اليهود لما جاءوه الم البقرة فحسبوه وقالوا: كيف
ندخل في دين من مدته إحدى وسبعون سنة , فتبسم رسول الله صلى الله عليه وسلم ,
فقالوا: فهل غيره؟ فقال: المص والر والمر , فقالوا: خلطت علينا فلا ندري
بأيها نأخذ , ووجه الدلالة أنه أقرهم على استنباطهم بعدم الاعتراض وبتلاوته
ل ﴿المص﴾ (الأعراف: 1) وما بعدها على هذا الترتيب.
للكلام بقية
((يتبع بمقال تال))
-----------------
<span class="footnote">
(1) يريد بأحد الوجهاء المرحوم أحمد باشا الصلح وكان يومئذ ترجمان الوالي وبالعالم المجيب المرحوم الأستاذ الشيخ عبد الغني الرافعي الشهير وكان عائدا من المجاورة في دمشق إلى بلده
طرابلس الشام.</span></span>