منه ما يحببه إليه ويحله من نفسه محل الكرامة إلا فكاهاته الأدبية ونوادره اللطيفة،
وأن هذا التعليل مني يخيل إلى قارئه أنه - أي الأمير - أبو نواس عصره.
فضائل الأمير ومزاياه بارزة مضيئة كالشمس لا تخفى على حاسد يعميه الحسد
عن رؤيتها؛ فإنه إن لم يرها تلذعه حرارتها، فكيف يجهلها مثل الشيخ عبد الكريم
في ذكائه ولوذعيته؟ وإنما أعني بما ذكرته أن كراهة الرجل للسوريين لم يكن
يخطب مودته منهم معها علم ولا أدب، ولا حسب ولا نسب، فهي وحدها لا تحلهم
من نفسه محل الكرامة، ولا محبة الأستاذ الإمام أيضا؛ فإنه كان يحب السوريين
ويغار عليهم، وما كان الشيخ عبد الكريم يساهمه هذا، لا في حملة العلم ووعاة
الآداب، ولا في أبناء الأحساب والأنساب، وهو - كما قال الأمير - لم يكن يغمصني
في شيء مما ذكر، وقد أنشأ الأستاذ الكبير الشيخ محمد بخيت مجلة باسم غيره كان
ينشر فيها شيئا من تفسيره للقرآن، فقال الشيخ عبد الكريم: إن الشيخ بخيتا يستطيع
أن ينشئ مجلة تنقل عنه تفسيرا وتنوه به مباراة للشيخ محمد عبده فيما تنشره عنه
مجلة المنار؛ ولكنه لا يستطيع أن يأتي بمثل الشيخ رشيد يحررها له! فما الفائدة؟
جد الأمير شكيب وشدته وظرفه:
الأمير شكيب مشهور بالجد في عمله وقلمه، وبالشدة في سيرته السياسية
والاجتماعية، ولهذا ينبزه بعض الناس بلقب الكبر، كما ينبزون به أكثر أهل الصدق
والجد، ولا يعرف ظرفه في فكاهاته اللطيفة ونوادره الأدبية النزيهة إلا من عاشره
وحاوره وسامره، وإني لأغبطه عليها، وأتمنى لو أوتيت مثلها؛ فإن الجد المحض
يمل الجليس، ويوحش الأنيس، وأنا لا أعرف عن أبي نواس مثل هذا؛ إنما كان
أبو نواس شاعرا، بل هو أشعر الشعراء في عصره الذي ارتقى به شعر الحضارة
والتمتع إلى أوجه، وكان مع هذا ماجنا فاسقا، ولم يؤت شيئا من الجد في خدمة
الأمة ولا سياسة الدولة، ولا عني بهداية الدين ولا بيان فضائل الإسلام، فأنى يذكر
مع الأمير شكيب، أو يخطر بالبال إذا ذكر علمه وأدبه، أو قرئت رسائله وكتبه؟
إني لأوقن أن الأمير لم يظن بي أنني عنيت هذا الذي عده لازما ذهنيا لوصفي
له بحلاوة الفكاهة ولطف النادرة؛ وإنما عده علي مما غمصت به الشيخ عبد الكريم
دونه، فكان مثارا لظن من لا يعرفه أنه أبو نواس عصره، وأن الشيخ عبد الكريم
يؤثر الهزل على الجد، والدعابة العارضة على الفضائل الراسخة.
كلا إنني لم أعن بكلمتي شيئا وراء ما تدل عليه دلالة المطابقة من تضمن أو
التزام. فلما قلت: إن الشيخ عبد الكريم لم يكن يحب السوريين، خطر في بالي أن
من واجب الصدق أن أستثني الأمير شكيبا من هذا الإطلاق أو العموم، لما كنت
سمعته من كل منهما من التنويه بالآخر، ثم ما رأيته من اغتباطهما بالتلاقي في
أثناء إلمامة الأمير الأخيرة بمصر.
مثال من تحاور عبد الكريم وشكيب بالسجع:
لعل الأمير لم ينس أنني كاشفته في بيروت سنة 1315 بعزمي على الهجرة
إلى مصر للاتصال بالأستاذ الإمام، وأن هذا سر بيني وبينه لم يتعدنا إلا إلى
الأستاذ عبد القادر أفندي القباني صاحب جريدة ثمرات الفنون والأستاذ الشيخ صالح
الرفاعي ناظر النفوس، ولعله يذكر - إذا ذكرته - ما حدثني به يومئذ عن محاوراته
مع الشيخ عبد الكريم سلمان وإبراهيم بك المويلحي، وأن جل حديثه عن محاورات
الأول ما كان يلتزمانه من السجع والفكاهات الحسنة الوقع، وأزيد على هذا أنني لما
بلغت الشيخ عبد الكريم سلامه عليه واشتياقه إليه، برقت أساريره وطفق يحدثني
عن محاوراته اللطيفة معه، وأذكر مما قاله لي كل منهما أن شكيبا كان عنده بداره
فسمعوا صياحا ولغطا أمام باب الدار بين الخدم وغيرهم، فصاح الشيخ بخادمه
البواب غاضبا: يا ولد يا ولد، فقال الأمير رافعا صوته: وأول التشاجر الذي ورد.
فسكت غضب الشيخ وأغرب في الضحك استغرابا لهذه البديهة الحاضرة، وإعجابا