مقالا في هذا الموضوع يحز في المفصل، ويحل هذا المعضل، وينشر في بعض
الجرائد اليومية، فقلت إن الكتابة في هذا الموضوع الآن ليس من المصلحة
الإسلامية في شيء؛ فإن تخطئة الأزهر في أمر ظهر به جمهور شيوخه وجيوش
طلابه لا يجوز إلا إذا تعذر تلافي هذه الفتنة وإقناعهم بالكف عن الطعن في المؤتمر
والصد عنه مع حفظ كرامة الفريقين، فإن تعذر هذا فنصر دعوة المؤتمر واجبة
لأنه مصلحة إسلامية ضرورية، في إحباطها مضار كثيرة عامة ذكرتها لهم، وأشرت
إلى هذه المصلحة العامة في مقدمة هذا المقال، وقد اشتدت الضرورة إليه في هذا
الزمان، وسأذكر المصلحة الخاصة بالمكان (القدس) وإرجاؤه بعد تعميم الدعوة
إليه - كما اقترح بعض الناس - فيه مضار أخرى لا تخفى على العاقل المفكر، فلا
يقول بها إلا أفين الرأي، أو سيئ القصد، كذلك حفظ كرامة جامعة الأزهر
ضرورية من حيث شخصيته المعنوية، ولا ينافيها نقد مشيخته في إدارته ونظام
التعليم فيه، ولا الرد على بعض شيوخه، والجمع بين كرامته وتأليف المؤتمر
وكرامة الداعي إليه ممكنة.
لم أر لتلافي الفتنة إلا دعوة السيد محمد أمين الحسيني إلى الإسراع بالمجيء
إلى مصر لتلافيها مع الحكومة المصرية الملكية ومشيخة الأزهر؛ فإنني موقن بأنه
لا يقصد هو ولا أحد من أعضاء اللجنة التحضيرية للمؤتمر شيئا يسوء هذه الحكومة
ولا الأزهر، ولا شيئا يمس كرامتهما بما يشينها أو يعد غمصا لحقوقهما.
ولا أكتم في هذا المقام ما سمعته بأذني من بعض الطاعنين الناقمين من ترك
السيد محمد أمين ما كان يجب عليه وجوبا أدبيا من استئذان جلالة ملك مصر في
هذه الدعوة لما له من المكانة والميزة بين ملوك المسلمين، ولما له من الفضل في
مساعدة السيد محمد أمين المالية الكبيرة على ترميم المسجد الأقصى، وقال لي
رجل آخر له مكانة في كبراء المسلمين أنه كان يجب عليه أن يستشير جميع ملوك
المسلمين في هذا العمل العظيم، وقد أجبت هذا وكل من أورد هذا الانتقاد بأن
الرجل قد ثبت عنده وعند من شايعه وساعده على الدعوة إلى هذا المؤتمر أنه
ضروري لتعزيز مركز فلسطين تجاه مطامع اليهود ومحاباة الدولة البريطانية لهم،
ولتقوية مركز المجلس الإسلامي الشرعي فيها ومركزه هو فيه، والأمر الضروري
الذي لا بد منه لا يستشار فيه أحد ولا سيما من كان ما يشير به حكما أو كالحكم
الذي لا مندوحة عن طاعته كصاحب الجلالة ملك مصر؛ وإنما الواجب الأدبي الذي
تقتضيه المصلحة والذوق إيذان ملوك المسلمين بالدعوة وطلب عطفهم ومساعدتهم،
وأظن ظنا يزاحم اليقين أن هذا قد وقع، كذا قلت لهذا الرجل الكبير ولمن دونه
بادي الرأي، ثم علمت أنه هو الحق.
في هذه الأثناء كتب إلي السيد محمد أمين الحسيني كتابا آخر اقترح علي فيه
أن أكتب رسالة فيما أرى اقتراحه على المؤتمر من الإصلاح الإسلامي وإرسالها
إليه؛ لأجل أن تطبع وتوزع على أعضاء المؤتمر عند حضورهم، فتكون مادة
لتفكيرهم من أخ لهم صرف أكثر من ثلث قرن في البحث والكتابة والعمل والمذاكرة
والمناظرة في هذا الإصلاح من جميع جوانبه وفروع مسائله، فكتبت إليه أنه يجب
قبل هذا الاستعداد للمؤتمر أن يجيء القاهرة لأجل تلافي فتنة المعارضة لفكرة
المؤتمر وتشويه سمعته والصد عنه التي شرع الأزهر فيها، ووافقت أهواء آخرين
يشايعون خصومه في فلسطين نفسها، فلم يلبث أن حضر وكان من سعيه ما
سألخص خبره في هذا المقال.
المعارضة في فلسطين ومثيروها:
يوجد في مدينة بيت المقدس تنافس بين بيت الحسيني وبيت الخالدي من
بيوتاتها، وقد توارث الأول منهما منصب الإفتاء، وكثر في الثاني كتاب المحاكم
الشرعية في هذه المدينة، وتوارثوا أعمالها في عهد قضاتها الذين كانت توليهم
مشيخة الإسلام في الآستانة، فلما أنشئ المجلس الشرعي الأعلى بعد رسوخ قدم
الإنجليز في البلاد وكان رئيسه مفتي القدس من آل الحسيني صارت المحاكم