تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

المكتب لا يطلب المعونة من أحد على إمساكه، ومن وقع تحت عبء ثقيل يعجز

عن النهوض به وحده يطلب المعونة من غيره على رفعه؛ ولكن بعد استفراغ القوة

في الاستقلال به، وهذا الأمر هو مرقاة السعادة الدنيوية، وركن من أركان السعادة

الأخروية.

(وثانيهما) : ما أفاده الحصر من وجوب تخصيص الاستعانة بالله تعالى

وحده فيما وراء ذلك، وهو روح الدين وكمال التوحيد الخالص الذي يرفع نفوس

معتقديه ويخلصها من رق الأغيار، ويفك إرادتهم من أسر الرؤساء الروحانيين

والشيوخ الدجالين، ويطلق عزائمهم من قيد المهيمنين الكاذبين من الأحياء والميتين،

فيكون المؤمن حرا خالصا وسيدا كريما، ومع الله عبدا خاضعا {ومن يطع الله

ورسوله فقد فاز فوزا عظيما} (الأحزاب: 71) .

والاستعانة بهذا المعنى ترادف التوكل على الله، وتحل محله، وهو كمال

التوحيد والعبادة الخالصة، ولذلك جمع القرآن بينهما في مثل قوله تعالى: {ولله

غيب السموات والأرض وإليه يرجع الأمر كله فاعبده وتوكل عليه} (هود:

123) إن لفظ الاستعانة يشعر بأن طلب العبد من الرب تعالى العون على شيء له

فيه كسب ليعينه على القيام به، وفي هذا تكريم للإنسان بجعل عمله أصلا في كل

ما يحتاج إليه لإتمام تربية نفسه وتزكيتها، وإرشاد له؛ لأن ترك العمل والكسب ليس

من سنة الفطرة ولا من هدي الشريعة، فمن تركه كان كسولا مذموما، لا متوكلا

محمودا، وبتذكيره من جهة أخرى بضعفه لكيلا يغتر فيتوهم أنه مستغن بكسبه عن

عناية ربه، فيكون من الهالكين في عاقبة أمره [1] .

بمثل هذا الأسلوب الحكيم أخرج حضرة الأستاذ العلامة السيد محمد رشيد رضا

صاحب مجلة المنار تفسير القرآن الحكيم (المشتهر باسم تفسير المنار) وهو كما

يقول بحق: (إنه التفسير الوحيد الجامع بين صحيح المأثور وصريح المعقول،

الذي يبين حكم التشريع، وسنن الله في الاجتماع البشري، وكون القرآن هداية

عامة للبشر في كل مكان وزمان، وحجة الله وآيته المعجزة للإنس والجان،

ويوازن بين هدايته وما كان عليه سلفهم إذ كانوا معتصمين بحبلها بما يثبت أنها هي

السبيل لسعادة الدارين، مراعيا فيها السهولة في التعبير، مجتنبا مزج الكلام

باصطلاحات العلوم والفنون بحيث يفهمه العامة، ولا يستغني عنه الخاصة، وهذه

هي الطريقة التي جرى عليها في دروسه في الأزهر حكيم الإسلام الأستاذ الإمام

الشيخ محمد عبده.

كان من سوء حظ المسلمين أن أكثر ما كتب من الكتب في التفسير يشغل قارئه

عن المقاصد العالية والهداية السامية، فمنها ما يشغله عن القرآن بمباحث الإعراب

وقواعد النحو ونكت المعاني ومصطلحات البيان، ومنها ما يصرفه عنه بجدل

المتكلمين، وتخريصات الأصوليين، واستنباطات الفقهاء المقلدين، وتأويلات

المتصوفين، وتعصب الفرق والمذاهب بعضها على بعض، وبعضه يلفته عنه

بكثرة الروايات، وما مزجت به من خرافات الإسرائيليات، وقد زاد الفخر الرازي

صارفا آخر عن القرآن، هو ما يورده في تفسيره من العلوم الرياضية والطبيعية

وغيرها من العلوم الحادثة في الملة على ما كانت عليه في عهده كالهيئة الفلكية

اليونانية وغيرها، وقلده بعض المعاصرين بإيراد مثل ذلك من علوم هذا العصر

وفنونه الكثيرة الواسعة التي تصد قارئها عما أنزل الله لأجله القرآن.

أخرج الأستاذ العلامة السيد رشيد رضا عشرة أجزاء من تفسير القرآن تقع في

عشرة مجلدات، تبلغ ما يزيد عن خمسة آلاف صحيفة من القطع المتوسط، منها

الخمسة الأجزاء الأول فسرها الأستاذ الإمام المرحوم الشيخ محمد عبده تفسيرا جمع

بين دقة المعنى وجزالة اللفظ، ورشاقة الأسلوب [2] ، وللأستاذ الإمام منهج في

التعبير يدل على نفاذ البصيرة، وقوة الإدارة، ومتانة الإيمان، حتى ليخيل لقارئه

أنه من رجال الصدر الأول.

والشيخ محمد عبده من أفذاذ المصلحين، وكبار المفكرين، لم يخرجه واسع

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ٣٢ · الصفحة ٦٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ٣٢ · ص ٦٠