وَإِنَّ مِمَّا يُعْلِي الهِمَّةَ وَيَسْمُو بِالنَّفْسِ: اعْتِبَارَ حَالِ مَنْ سَبَقَ، وَتَعَرُّفَ هِمَمِ القَوْمِ الْمَاضِينَ.
فَأَبُو عَبْدِ اللهِ أَحْمَدُ ابْنُ حَنْبَلٍ كَانَ - وَهُوَ فِي الصِّبَا - رُبَّمَا أَرَادَ الخُرُوجَ قَبْلَ الفَجْرِ إِلَى حِلَقِ الشُّيُوخِ؛ فَتَأْخُذُ أُمُّهُ بِثِيَابِهِ وَتَقُولُ - رَحْمَةً بِهِ -: «حَتَّى يُؤَذِّنَ النَّاسُ أَوْ يُصْبِحُوا».
وَقَرَأَ الخَطِيبُ البَغْدَادِيُّ «صَحِيحَ البُخَارِيِّ» كُلَّهُ عَلَى إِسْمَاعِيلَ الحِيرِيِّ فِي ثَلَاثَةِ مَجَالِسَ؛ أثْنَانِ مِنْهَا فِي لَيْلَتَيْنِ مِنْ وَقْتِ صَلَاةِ المَغْرِبِ إِلَى صَلَاةِ الفَجْرِ، وَاليَوْمَ الثَّالِثَ مِنْ ضَحْوَةِ النَّهَارِ إِلَى صَلَاةِ المَغْرِبِ، وَمِنَ الْمَغْرِبِ إِلَى طُلُوعِ الْفَجْرِ.
وَكَانَ أَبُو مُحَمَّدٍ ابْنُ التَّبَّانِ أَوَّلَ ابْتِدَائِهِ يَدْرُسُ اللَّيْلَ كُلَّهُ، فَكَانَتْ أُمُّهُ تَرْحَمُهُ وَتَنْهَاهُ عَنِ القِرَاءَةِ بِاللَّيْلِ، فَكَانَ يَأْخُذُ المِصْبَاحَ وَيَجْعَلُهُ تَحْتَ الجَفْنَةِ - شَيْءٍ مِنَ الآنِيَةِ العَظِيمَةِ - وَيَتَظَاهَرُ بِالنَّوْمِ، فَإِذَا رَقَدَتْ أَخْرَجَ المِصْبَاحَ وَأَقْبَلَ عَلَى الدَّرْسِ.
فَكُنْ رَجُلًا رِجْلُهُ عَلَى الثَّرَى ثَابِتَةٌ، وَهَامَةُ هِمَّتِهِ فَوْقَ الثَّرَيَّا سَامِقَةٌ، وَلَا تَكُنْ شَابَّ البَدَنِ أَشْيَبَ الهِمَّةِ؛ فَإِنَّ هِمَّةَ الصَّادِقِ لَا تَشِيبُ.
كَانَ أَبُو الوَفَاءِ ابْنُ عَقِيلٍ - أَحَدُ أَذْكِيَاءِ العَالَمِ مِنْ فُقَهَاءِ الحَنَابِلَةِ - يُنْشِدُ وَهُوَ فِي الثَّمَانِينَ: