تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

الحمام وحاولت التفصي والهرب، فضربتني بالطاس على ظهري، وما زلت

أذكرها بها مازحا، وتعتذر لي عنها تلطفا، ثم كانت أشد عناية من والدي بطلبي

للعلم والاهتمام به والارتياح إلى هجرتي إلى مصر، إذ علمت ما لي فيها من النية

الصالحة، والرجاء في التكمل بالعلم وخدمة الملة والأمة.

وكانت دقيقة الفهم، رقيقة الشعور والوجدان، تخشع لآيات الزجر والوعيد

من القرآن خشوع العارفين المتدبرين، وإذا أنشدتها شيئا من غزل الشعر الغرامي

قالت: هذا فتنة، لا ينبغي اشتغال الشبان والشواب به، وقد قرأت لها قصيدة أحمد

شوقي في تهنئة السلطان حسين كامل:

الملك فيكم آل إسماعيلا

فلم أتجاوز حتى قالت لي: هذه مرثية لا تهنئة، فعجبت لهذه الفطنة، وسبقها إياي

إلى هذه الفكرة. ثم قرأت لها قصيدته في تهنئة والدة الخديو بعودتها من الآستانة

التي مطلعها:

اكشفي الستر وحيي بالجبين ... وأرينا فلق الصبح المبين

فانتقدت هذا المطلع واستهجنته جدا في كلا مصرعيه: فأما الأول فلأن الستر

يستعمل غالبا في إخفاء ما يقبح إظهاره، وكشفه يستعمل في الفضيحة، فيقال:

كشف الله ستر فلان، وهتكت فلانة سترها، وأما الثاني فلا يخفى وجهه، ولا

يحسن كشفه.

وأذكر أنني سمعت وأنا صغير مغنيا في قريتنا القلمون يقول بيتا من أغنية

عامية مضمونه أنه يدعو الله أن يغيب القمر ليأخذ البوسة (القبلة) ويرى قلعة

حلب على أي شيء هي مبنية فحفظتها فقلتها أمامها، وقالت لي: (اسكت) هذا

كلام عيب إياك أن تقوله، وإنني وأيم الحق لم أفهم مغزى هذا الإنكار الشديد إلا بعد

أن صرت رجلا كبيرا.

وكانت على نزاهتها وأدبها في القول والفعل ذات دعابة وفكاهة وتنادر في

الكلام طبعا بلا تكلف، وكانت تتوخى أن لا يستثقل أحد منها قولا ولا خدمة، فقلما

تطلب من أولادها أو أحفادها أو كنتها شيئا بصيغة الأمر، بل تعرض وتكني في

الغالب، ولا تكلف أحدا ما تستطيع هي فعله ولا تشتم خادما شتما بذيئا على تقصير،

ولكنها قد ترفع صوتها عند الغضب، وقد ورثت ذلك منها وهو منتقد وهو طبع

كان يكرهه كل منا.

وكانت مقتصدة شديدة الحرص على كل ما في الدار، لا يهون عليها أن

يضيع شيء منه، على حبها للضيافة واعتيادها إكرام الضيوف منذ صارت ربة

بيت، وتحب أن يبذل كل ما يستطاع من إكرام الضيوف وبر الإخوان، فإذا أشرنا

بشيء من الألوان لم تجده لائقا لقلته اقترحت الزيادة عليه، وما دعوت الأصدقاء

إلى الطعام إلا ذكرتني ببعض من لم أذكره لها منهم، حتى كانت تأمرني بدعوة

نسيم أفندي صيبعة للإفطار معنا في رمضان مع الصائمين الذين ندعوهم ولا سيما

السوريين منهم، فأقول لها مازحا: هو نصراني لا يصوم. فتقول: لكنه صديقك

وابن بلدنا، وذوقه ذوقنا، ولا بد أن يترك الغداء بعد الظهر، أو يخففه ليقبل الأكل

معكم بعد المغرب، وأنا لم أذكر لها كلمة نصراني إلا لأجل الصيام، فقد كان من

المألوف عندها بدارنا، وإلا فهي معتادة في بلدنا على ضيافة النصارى وغيرهم،

بل كان بعض أصدقاء والدي منهم يقيم عندنا أياما في رمضان فيفطر ويتسحر معنا.

وقد ذكرتني جريدة حضرموت - التي تصدر بسنغافورة -بمكرمة لها كنت

ناسيا لها، وهي أنه لما جاء مصر صديقي الجليل المرحوم السيد محمد بن عقيل

قبل الحرب الكبرى ذكرت لها ذلك عندما علمت به ليلا، فأمرتني أن أذهب من

ساعتي تلك إلى الفندق الذي نزل فيه وأجيء به إلى الدار، وقالت: إنه لا يليق

بك وهو صديقك القديم، وقد صار لك دار وأهل أن ترضى بنزوله في فنادق

المسافرين - وكانت لا تعلم أن هذا معتاد في الأمصار الكبيرة - فلم يسعني إلا امتثال

أمرها.

وكانت صبورا شكورا، مات أربعة من بنيها وأربع من بناتها في حياتها

فبكتهم البكاء الطبعي الشرعي، دموع تتحادر من العينين، ونشيج يتردد في الصدر،

بلا نوح ولا ندب، ولا تغيير شيء من العادات في اللباس والأكل والشرب، ولا

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ٣٢ · الصفحة ٤٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ٣٢ · ص ٤٤