تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

المؤمنين عنده، ومن لم يتبعه يكون غير متبع لسبيل المؤمنين، وأنه يجب على

الآخر حينئذ عداوته في الدين، وعدم الاتفاق معه على شيء ولو كان دفع عدو لهما

كليهما، بل إن شأنهما أن يعين كل منهما عدو الآخر عليه، وكذا عدوهما كليهما،

أي أن مظاهرة عدو الدين والوطن والاتفاق معه، أولى من مظاهرة عدو المذهب

والاتفاق معه.

2- أن الوسيلة الموصلة إلى هذه هي سعي علماء الدين من الفريقين إلى

إزالة أسباب هذا الخلاف بالبرهان، وإصغاء كل منهما إلى حجة الآخر في

المناظرة، وتحكيم أهل الفضل والإنصاف بينهما فيما لا يتناصفان فيه.

فأنا قبل الدخول في هذه المناظرة، أقول: إن أهل السنة ينكرون توقف

الاتفاق على ما ذكر، وإن العقلاء من جميع الأمم ينكرون إفضاء المناظرات الدينية

والمذهبية إلى رجوع أهل المذهب الذي يغلب عالمه في المناظرة إلى مذهب الغالب

كما يعلم بالاختبار في جميع العالم، ويؤيده فينا أن المناظرات بين الفريقين قد

كثرت وتعددت في الأجيال الماضية وفي جيلنا مرارا لا يحصيها إلا الله تعالى، وقد

ألف فيها كتب كثيرة من بسيط ووسيط ووجيز، فلم تزد السواد الأعظم من الفريقين

إلا تعصبا لمذهبه وصدودا عن مذهب الآخر، فكانت مفرقة لا جامعة ومبعدة لا

مقربة؛ وإنما تفيد المناظرات أفرادا من مستقلي الفكر في طلب الحق، غير

المقيدي الفكر والوجدان بالإذعان لمذهب معين لا ينظر إلى غيره إلا بعين العداوة

والبحث عما يفنده به ولو بالتأويل والتحريف وترجيح مذهبه عليه بمثل ذلك،

وبالأقيسة المؤلفة من الخطابيات والشعريات المبنية على الظني وما دون الظني من

الروايات، ووصفها بالبراهين العقلية، كما يراه قارئ هذه الرسالة في تصوير

مناظرنا لتلقي علي عليه السلام للعلم من النبي صلى الله عليه وسلم قبل النبوة

وبعدها بأنه كان كتلقي تلاميذ المدارس الفنية الدنيوية للفنون فيها بحفظ المتون

والقواعد الرياضية من حساب وهندسة ومساحة وفلك، واللغوية والعقلية والتشريعية،

ثم حكمه بأن السابق إلى هذا التلقي يجب بحكم العقل أن لا يدرك شأوه اللاحق،

وفي هذا البحث من الأغلاط الدينية والتاريخية والعقلية والمنطقية والطبيعية ما لا

يمكن بسطه وإيضاحه إلا في صفحات كثيرة أو رسالة مستقلة، وسأشير إلى المهم

منه بعد.

وإنما غرضي الآن أن أحتج على صحة ما اشترطته علي السيد المقترح

للمناظرة من وجوب الاقتصار في المناظرة على مسائل الخلاف الأساسية، وهي

ثلاث:

(1) موالاة أهل البيت النبوي، وأهل السنة يوجبون هذه الموالاة بما يفهمونه

ويرونه موافقا لهدي الشريعة.

(2) موالاة أصحاب الرسول، وأهل السنة يوجبونه على غير الوجه الذي

(3) الخلافة، فيجب تحرير موضع الخلاف فيها أولا، وتحديد طريقة

الاستدلال عليها ثانيا، والاتفاق على طريقة التحكيم في الخلاف والمحكمين ثالثا.

بيد أنني أحب أن أعلم قبل هذا هل يوافق كبار علماء الشيعة في سورية

والعراق والهند وإيران مناظري الفاضل على قوله: إنه لا يمكن الاتفاق بين أهل

السنة والشيعة على شيء من المصالح الإسلامية السياسية والوطنية والأدبية

المشتركة المنفعة إلا إذا اتفقا قبل ذلك على رجوع أحدهما إلى مذهب الآخر فيما

اختلفا فيه من المسائل الأساسية، وإلا كان دين كل منهما يقضي عليه بعداوة الآخر

على الوجه الذي قاله هذا العلامة الشجاع منهم والتعليل الذي علله به؟

إن هذا رأي لم نسمعه من غيره؛ ولكن سيرة الشيعة وتاريخها قد يؤيده ويدل

عليه، وإنه لأصرح رجل عرفته فيهم؛ ولذلك كبرت منزلته في نفسي على ما

أعتقد من خطئه وأغلاطه، وإن ما قرأته من كتابه (الكلمة الأولى) يدل على أنه

رجل شعور ووجدان، لا رجل تجربة وبرهان، ولولا ذلك لم يعقد أوكد الأيمان، أنه

لولا علي بن أبي طالب عليه السلام، لقتل رسول الله عليه أفضل الصلاة والسلام،

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ٣٢ · الصفحة ٤٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ٣٢ · ص ٤٠