المناظرة؛ فإن الحق لا يخفى على طالبه، وإنني لا أنكر أن يكون في علماء
الطائفتين من تهمه نفسه، ولا يميل إلى الاتفاق لما اعتاده من التعصب الأعمى،
فعلى العقلاء من كلتا الطائفتين رفض أولئك والتنبه لهم.
وليت شعري كيف يمكن الاتفاق بين هاتين الطائفتين قبل دفع سبب الخلاف.
إن الشيعة من المسلمين يرون أن من أرسى قواعد الإسلام وأقوى دعائمه
موالاة أهل البيت والاهتداء بهديهم والعمل برأيهم وحديثهم، وأن المنحرف عنهم،
النابذ لحديثهم، المهتدي بخلاف هديهم غير متبع سبيل المؤمنين، ويرون أن أبناء
السنة من المسلمين منحرفون عنهم بنبذهم علمهم وحديثهم وإعراضهم عن مذهبهم
فهم على غير سبيل المؤمنين.
وإن المسلمين من أهل السنة يرون أن أرسى قواعد الإسلام وأوثق عراه
موالاة أصحاب رسول الله جميعهم والعمل بكل ما حدثوا به؛ لأنهم حملة الدين
وحفظة الوحي ومبلغوه إلى الأمم، فالمنحرف عنهم التارك لحديثهم غير متبع سبيل
المؤمنين، ويرون أن الشيعة منحرفون عن أصحاب رسول الله صلى الله عليه
وسلم لتركهم حديثهم وانقطاعهم إلى أهل البيت، فهم على غير سبيل المؤمنين.
فعلى هذا كيف يشترك المتمسكون بالدين منهما بالعمل بإخلاص ونصح ما لم
يقع التفاهم بينهم؟
فلو أن شخصين متعاديين سارا في طريق واحدة لم يجدهما نفعا إظهارهما
المجاملة، وقول كل واحد منهما لصاحبه: دع العداء بيننا جانبا، وهلم فنلكن يدا
واحدة على من سوانا؛ فإن ذلك غير مستطاع لهما، واعتمادهما في التعاون على ما
أظهراه من المجاملة والاتفاق غرور وأمان باطلة، فلو ظفر بهما عدو لهما على هذا
الحال، ثم استعان بكل واحد منهما على صاحبه لأعانه.
فعلى هذين الرفيقين أن يقتلعا سبب العداء من عروقه، ويعترف كل واحد
منهما لصاحبه بما جناه ويعطيه بيده ليأخذ بحقه حتى يرضى، وعندها تذهب
الشحناء، ويحل محلها الود والإخاء.
أما أنا فهذه يدي رهن بما أقوله معطاة لمن يريدها وما توفيقي إلا بالله.
علم علي وعمر رضي الله عنهما بالدين والقضاء
ذكرت مجلة الشبان مقالا، وهو أن عمر كان أعلم الصحابة بالدين وأفقههم
فيه [1] ، وردته مجلة العرفان بقولها: إن هذا مناف لقول النبي صلى الله عليه وسلم:
(أقضاكم علي) وقوله: (أنا مدينة العلم وعلي بابها) ولقول عمر: (لولا علي لهلك
عمر، ولا بقيت القضية ليس لها أبو الحسن) ورد الأستاذ العلامة صاحب المنار في
الجزء الرابع من المجلد (31 ص295) هذه الأدلة وعنون المسألة بهذا العنوان.
وحاصل الرد أن ما روي عنه صلى الله عليه وسلم من الحديثين غير صالح
للاستدلال به لعدم صحة ما روي، وعلى فرض صحته لا دلالة فيه على المطلوب؛
إذ كون علي أقضى لا يمنع أن يكون عمر أعلم؛ لأن القضاء - أعني فصل
الخصومة - لا يحتاج إلى كثير علم [2] ؛ وإنما يحتاج إلى ذكاء وفطنة، فبين الأعلم
والأقضى عموم وخصوص من وجه، وكذلك جعل علي عليه السلام باب مدينة
العلم لا يوجب الحصر؛ لجواز أن يكون للمدينة أبواب كثيرة منها علي عليه السلام،
ومنها عمر رضي الله عنه ومنها غيرهما، وكذلك قول عمر إنما جاء على نحو
التواضع. ثم أطال البحث في أحوال الرواة لهذين الحديثين وتضعيفهما.
أقول: ما أحسن المناظرة إذا كانت بآدابها، وصحت نية أربابها، وكان الحق
ضالتهم، والبرهان قائدهم.
ولنغضي عما في هذا الجزء من الشتم والتجهيل كما تضمنته رسالة ابن تيمية،
ومقالة الأستاذ التي عنوانها (السنة والشيعة وضرورة اتفاقهما) فإنها كتبت قبل
الصلح والمسالمة.
وقبل الخوض في البحث نقدم بيانا يعلم منه مناظرنا كيف يسير معنا في
المناظرة.
رأي الشيعة في الخلافة:
إن المسلمين من الشيعة يرون أن الخلافة أصل من أصول الدين كالنبوة،
وأن نصب الخليفة واجب على الله عقلا من باب اللطف كوجوب إرسال الرسول،
ويرون أن الخليفة لا بد أن يكون أكمل أهل زمانه في جميع فنون الفضل كالنبي،