أن يوجد مثله بين اثنين من الناس، وأنا أعلم أن منها ما يكون منتقدا في نظر غيري
وإن كان صوابا عندي، ومنها ما ينتقد علي نشره لأن مثله غير معتاد، أو لأنه من
مبالغاته التي ربما كان يقصد بها التأثير الخاص، ككلمته في تحريف الفقهاء، وهذا
نادر.
ومن أنعم النظر في فوائد هذا الاستقصاء رأى أن أهمها تمثيل حقيقة الرجل
من كل ناحية كي يحيط القارئ به خبرا، ويحكم عليه حكما صحيحا؛ فإن الذين
يترجمون الرجال بذكر محاسنهم ومناقبهم، وإخفاء هناتهم ومثالبهم؛ إنما هم شعراء
مداحون، لا مؤرخون حقيقيون.
فإذا رأى القارئ أنني على إعجابي بسعة علومه ورسوخه في معارفه التي
كان بها جديرا بلقب الأستاذ الإمام، الذي قبله وأجازه الرأي العام - أثبت أنه كان
مقصرا في علوم الحديث من حيث الرواية والحفظ والجرح والتعديل كغيره من
علماء الأزهر، وإنني على إعجابي بأخلاقه التي كان بها حقيقا بزعامة الإصلاح
والتجديد للأمة والملة، صرحت بأنه كان كأستاذه لا يخلو من الحدة، ومما يقابلها
من الضعف بشدة الرحمة والمبالغة في الورع، المغريتين لصاحبهما بإيثارهما على
المصلحة العامة، وإنني على إعجابي بقوة تدينه وحسن تعبده ومحافظته على تهجده،
صرحت بأنه كان يجمع بين الصلاتين في الحضر أحيانا ترخصا اجتهاديا خالف
فيه المذاهب الأربعة؛ ولكنه وافق حديثا صحيحا أخذ به غيرهم من الأئمة.
إذا رأى القارئ هذا وذاك أيقن أنني لم أكن محابيا له في هذا التاريخ، ولا
سالكا فيه مسلك الشعراء، ولا أنصار المذاهب وزعماء السياسة الذين يصورون
أئمتهم وزعماءهم صورا مكبرة مزينة مجملة بما يظهر محاسنهم ويخفي مساويهم،
أو يبدل سيئاتهم حسنات، وعلم أن كل ما انتقد على الأستاذ يصح أن يقال فيه:
(حسنات الأبرار سيئات المقربين) وإنني - وأيم الحق - لم أطلع له على عمل ينافي
العفة والنزاهة ولا الورع والشرف، ولا هفوة تدل على كامن من حقد أو حسد،
فهو أكمل من عرفت من البشر، ومن اطلع على دخائل كثير من المشهورين بالعلم
والتقوى، أو الحكمة والفلسفة، أو تاريخهم الصحيح - رأى كثيرا من العجر والبجر،
فما قولكم في زعماء السياسة وعشاق الرياسة؟
ولقد كنت داعية لزعامته وإمامته؛ وإنما كانت دعاية صدق ودين، وجهاد
وجلاد، لزعامة تجديد وإصلاح، لا زعامة رياسة وجاه، ومناصب ومال، وهل
يتوسل العاقل المتدين إلى الحق بالباطل، وإلى الإصلاح بالكذب الذي مطية كل
إفساد، فيتعجل لنفسه الإجرام نقدا، لأجل ما يرجو لغيره من الإصلاح نسيئا؟ وقد
سئل الأستاذ الإمام: أترجو أن تجني ثمر إصلاحك في حياتك؟ قال: (أستبعد هذا
ولا أظنه، وحسبي أن يتم فيجنيه من بعدي) .
وجملة القول: إن هذا الرجل أكمل من عرفت من البشر دينا وأدبا ونفسا
وعقلا وخلقا وعلما وعملا وصدقا وإخلاصا، وإن من مناقبه ما ليس له فيه ند ولا
ضريب، وإنه لهو السري الأحوذي العبقري الحقيق بلقب (المثل الأعلى) من
ورثة الأنبياء في هذا العصر وإن لم أطلقه عليه لأنه على إطلاقه خاص بالله في
نص كتابه، وقد ابتذله الناس في الخطب والجرائد حتى خرج عن معناه.
صنوف قراء هذا التاريخ:
ألا وإن قراء هذا التاريخ صنوف: فمنهم طلاب الإصلاح والتجديد النافع
للأمة، مع المحافظة على مقوماتها، ومشخصاتها التي تمت بها حقيقتها وامتازت من
غيرها، وهؤلاء يشكرون لي عملي ويرون أنني أحسنت فيه وأصبت، ويعفون عما
عساني أخطأت فيه أو قصرت، ويساعدونني على نشر الكتاب؛ لأنه خير عون على
إثارة الهمم، وتقوية الأمل، والتنشيط على العمل، بل هؤلاء منا، من عرفنا منهم
ومن لم يعرفنا.
ويليهم المستعدون للإصلاح بسلامة فطرتهم وحسن نيتهم؛ ولكنهم غافلون
عنه لفقد الباعث والمنبه، وسيجدون في هذا التاريخ أقوى دعاية، وأوضح هداية،
فلا يلبث قارئه أن يكون منا وينصرنا بقدر ما أوتي من همة واستطاعة.