تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

واشتدت مراقبتها العسكرية ومراقبة الحكومة المحلية بأمرها على المطبوعات،

واستمرت هذه المراقبة الشديدة إلى ما بعد الحرب بزمن طويل.

وإنما سنحت الفرصة الأولى لإصدار الكتاب في العهد الأخير لسعد باشا في

زعامة الأمة ورياسة الحكومة واستقرار نفوذه في البلاد أي في سنة 1345 ه، إذ

لم يبق للإنكليز من النفوذ القوي في هذا العهد ما يخشى أن يمكنهم من حمل

الحكومة على مصادرته، على أن ثورة مصر قد انتهت ولم يعد ما في الكتاب من

التحريض السابق يضيق على حريتهم، بيد أنه قد عاقني عن افتراص هذه السانحة

بالسرعة عدة عوائق؛ منها أنني كنت انتقلت من الدار التي طبعت فيها القسم الأول

من التاريخ إلى دار أخرى، وتعذر وضع كل نوع من المطبوعات الكثيرة وحده،

فلم نقدر على العثور على المطبوع من التاريخ إلا بعد الانتقال إلى دار المنار

الجديدة ووضع كل كتاب من مطبوعاتنا في محل خاص به، وإنما تم بعد وفاة سعد

رحمه الله تعالى، وقد وجدنا بعض المطبوع تالفا وبعضه قد فقد، فاضطررنا إلى

إعادة طبع أكثرها.

وشرعت في إتمام الكتاب في أواخر سنة 1348، وعرض لي موانع عن

المضي فيه مدة سنة، وعدت إليه في أواخر سنة 1349، وكنت أقدره بثمانين

كراسة (ملزمة) أو مائة، ثم كنت كلما شرعت في مقاصد فصل من الفصول

أتذكر من مواده ومسائله ما كنت ذاهلا عنه حتى بلغ ما يراه القارئ، وقد صبرت

نفسي وحبستها على كتابة ثلثه الأخير أربعة أشهر من هذا العام (1350) لا

أشرك به عملا آخر حتى تم طبعه في هذه الأيام، وبقي كثير من المواد والمستندات

من تاريخه وتاريخ السيد جمال الدين ضاق عنها هذا الجزء فوعدت بإثباتها في

جزء الذيل الذي أضعه له إن شاء الله.

كيف كتب هذا التاريخ:

كتب هذا التاريخ في أثناء سنين كثيرة وفترات بعيدة، وأوقات يختلف فيها

الفكر والشعور باختلاف الأحوال، والأناة، والاستعجال، ولم تكن مواده مجموعة

مرتبة؛ وإنما جريت في ترتيب أكثرها على ما كتبته في المنار عقب وفاة الأستاذ

الإمام من ترجمته، ومنها ما ليس له ذكر في تلك الترجمة، ومن ثم يجد القارئ فيه

تكرارا لبعض المسائل عن سهو أو عمد، وربما تختلف فيه العبارة في المسألة

الواحدة بعض الاختلاف في اللفظ كاختلاف الورق، ولا سيما المسائل التي اعتمدت

في كتابتها على حفظي، وأرجو أن لا يكون فيها شيء من التناقض؛ فإنني بفضل

الله تعالى قوي الذاكرة للمعاني.

ولولا أن طال هذا الجزء حتى صار يثقل حمله، وعطلت أهم أعمالي لأجل

إتمامه، مع سوء الحال، وقلة المال - لوضعت له خلاصة كلية ألخص فيها مقدمات

كل مقصد من مقاصد فصوله ونتيجته، وأبين مواضع العبرة فيه على نحو ما

ذكرته في أثنائه لبعضها، كأن أعد ما كان عليه الأزهر قبل تصدي الإمام لإصلاحه

من الصفات والأحوال واحدة واحدة، وأعد ما كان عليه شيوخه وطلابه من

الصفات والعادات والأعمال صفة صفة وعادة عادة وعملا عملا، ثم أبين ما كان

من تغيير الإصلاح لبعض ما ذكر، وأعد فوائده واحدة بعد واحدة، ومثله أن

ألخص آراءه في التربية والتعليم، فأعد المفاسد التي ذكرها في لوائح إصلاح

التعليم في الدولة العثمانية وفي مصر، وما ذكره منها في خطبه في احتفالات

مدارس الجمعية الخيرية، ثم أعد ما ذكره في تلك المواضع وغيرها من قواعد

الإصلاح كلها وهي التي أدعو إليها، ولكنت أفعل هذا في كل فصل بل كل مقصد،

وإذا لكانت الفائدة أتم والنفع أعم، وإذ تعذر علي كتابة هذا فإنني أوجه همة

الراغبين في مثله أن يتولوه لأنفسهم بأنفسهم، ومن لا يعنيه ذلك فلا يهتم لقراءته،

وعسى أن أوفق لهذا في الذيل الذي أرجو أن يكون هو المكمل له.

وقد جريت على سنن علمائنا المتقدمين من رواة الآثار - المحدثين

والمؤرخين - في بيان آراء الأستاذ الإمام وعاداته وشمائله وأخلاقه بالصراحة

والحرية والصدق، ومنها ما هو منتقد عندي على ما كان بيننا من الاتفاق، الذي يندر

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ٣٢ · الصفحة ١٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ٣٢ · ص ١٢