ولقوة المصريين إذ ذاك وعدم تهاونهم في المجازاة على أقل عصيان بأشد | العقاب ، لم يجسر الشاميون على شق عصا الطاعة بل سلموا أسلحتهم وصار | يرد إلى ( بيروت ) و ( صيدا ) وغيرهما عدد عظيم من الأسلحة النارية والبيضاء | بل ومن المدافع التي كان يحتمي تحت ظلها سكان جبال لبنان وكان من أهم | المساعدين للمصريين في تنفيذ هذا الأمر في لبنان الأمير بشير ، فإنه بذل ما في | وسعه لإرضائهم خوفا من أن يحل به ما حل بالشيخ قاسم المتقدم وأعوانه مع | علمه بأن ذلك يوغر عليه صدور اللبنانيين على اختلاف مذاهبهم ومشاربهم من | مسيحيين ودروز لكنه آثر إرضاء المصريين على إرضاء مواطنيه وبقي على | ولائهم حتى تقلص ظل إدارتهم وسلبت منهم البلاد الشامية بواسطة تداخل | الدول الأجنبية عموما والدولة الإنكليزية خصوصا .
ولقد بذل الأمير بشير جهده في تنفيذ أوامر إبراهيم باشا وإخماد الفتن الجزئية | التي تظهر في القرى لكن لم يجد اهتمامه نفعا بل ازداد الهياج شيئا فشئيا ، وانتهز | الأتراك هذه الفرصة لبث رسلهم في سائر الأنحاء وتحريض الجبليين على القتال | وخلع طاعة المصريين ، الذين تمتعوا في مدة حكمهم بالراحة والطمأنينة مما لم يروا | ولن يروا مثله ومما قوى نفورهم من الإدارة المصرية وعد رسل الدولة إياهم | بمعافاتهم من الضرائب والخدمة العسكرية ومنحهم الإستقلال الإداري فاغتروا | بهذا ونزعوا إلى العصيان ، ومن الغريب أنهم لما هموا بالعصيان ظهر أنهم لم | يسلموا من سلاحهم إلا القديم العادم النفع وأخفوا الصالح الجيد ليستعملوه | ضد المصريين الذين لا ذنب لهم سوى أنهم منعوهم عن قطع الطرق ونهب أموال | ساكني الأودية والسهول ، الذين لا قدرة لهم على الدفاع واقتفاء أثرهم | لإلتجائهم إلى جبالهم الشامخة الصعب الوصول إليها لعدم وجود الطرق ، ولقد | تنبه إلى هذا الأمر إبراهيم باشا وعلم أنه لا يمكنه إدخال هؤلاء الجبليين في | طاعته إلا إذا فتح الطرق السهلة لمرور الخيالة والمدافع ولذلك أمر المهندسين | بإنشاء ما يلزم من الطرق المنتظمة على حسب الأصول الهندسية مع |