وتأمل إجماع كتاب الأمم والشعوب المختلفة الأجناس والأديان والآراء والأفكار على
تزكيته وتقديسه، أو تدبر مقدمتنا لكل منهما تعلم أنه هو الإمام الذي يجب اتباعه في
تجديد الأمة وإحياء الملة، وإيجاد المدنية الفاضلة، ثم انظر ما اقترحته على مصر
في خاتمة هذا الكتاب لعلك تكون من حزب الدعاة المصلحين، وأنصار التجديد
المستبصرين الذين قال الله فيهم: {ونريد أن نمن على الذين استضعفوا في
الأرض ونجعلهم أئمة ونجعلهم الوارثين} (القصص: 5) .
هذا ما توخيت التنويه به من هذا الضرب البديع من التجديد لحياة الشرق
على ما وصفت من التباين بينه وبين الغرب، وما كان من تأثيره الذي يشبه
خوارق العادات، كإبراء الأكمه والأبرص وإحياء الأموات.
المجددون للوثنية والدجل:
ألا وإنه قد نجم في هذين القرنين قرنان - أو قرون - من أدعياء التجديد،
بعضهم في إيران وبعضهم في الهند، وإن هم إلا مسحاء دجالون، ومتنبئون كذابون،
لبسوا على الناس لباس الإصلاح الديني، وتمثلوا لهم بالشكل الذي تصوره تقاليدهم لما
ينتظرون من المسيح والمهدي، وانتحلوا لدعايتهم آيات، واخترقوا لأنفسهم معجزات
، فمنهم من ادعى النبوة، ومنهم من ادعى الألوهية، وقد اتبعهم فئام من المحرومين
من مزايا الإنسان، الكافرين بنعمتي العقل والقرآن، الجاهلين لثبوت نبوة خاتم النبيين
بالعلم والعقل، وإن الله ختم به نزول الوحي، فزادهم رجسا على رجسهم، وعبودية
للأجانب على عبوديتهم، فكانوا دعاة أو أنصارا للمعتدين على استقلال بلادهم،
المستبدين لأقوامهم، فوالله لو عمت فتنتهم لاستولى الإنكليز على بلاد فارس كلها،
ولما وجد في الهند من يطالب الإنكليز باستقلال، ولا بحق من الحقوق ولا عمل من
الأعمال.
أليس من مثار العجب الذي جاء بها أبو العجب [7] أن يضع كل من أتباع
هؤلاء الدجالين لأنفسهم نظاما، ويجمعوا لبث نحلتهم أموالا، وينفروا للدعوة إليها
خفافا وثقالا؟ فيكون لهم في كل واد أثر، وفي كل قطر ذكر، وينضوي إليهم
بعض الملاحدة طمعا في أموالهم، لا إيمانا بمسيحهم أو إلههم؟
أو ليس بأوغل من هذا في أعماق العجب، وأولغ في أحشائه أن يتخاذل
العارفون بقدر حكيمي الشرق، وإمامي الإسلام بالحق، عن تأليف حزب لتعميم
إصلاحهما، واستمرار تجديدهما، وأن يكون لجماعتهم نظام يكفل دوام سيرهم
ومال يضمن نجاح سعيهم، ومدارس تربي النابتة على منهاجهم، وأطباء يداوون
أمراض الاجتماع بعلاجهم على استقلال الفكر، وحرية العلم والرأي وهداية الدين،
وتوطين النفس على الجهاد لإعلاء كلمة الحق، وإقامة ميزان العدل لتكون عزيزة
لا تدين لأجنبي معتد، ولا لوطني مستبد؟ .
نعم إن ذلك لعجيب، وإن هذا لأعجب منه، ويشبههما في العجب أن المنتمين
إلى السنة من المسلمين أقل من المبتدعة تعاونا وتناصرا وعصبية ودعاية، أفلا
أنبئك بالسبب، الذي ينتاشك من حيرة العجب؟ .
إن حقيقة السنة والجماعة هي حقيقة الإسلام، وإن الإسلام الحق هو دين
توحيد العبودية والربوبية لله وحده، والحرية وعزة النفس تجاه ما سواه، واتباع
رسوله وحده فيما بلغه عنه، والعمل بمقتضى الوازع النفسي التابع للعقيدة، والنظام
الاجتماعي الذي تقرره الشريعة، فلا تذل نفس صاحبه بالانقياد لرئيس ديني لا
دنيوي لذاته، ولا لسلطان وراثي أو تقليدي فيما وراء تنفيذ أحكامه.
وأما هذه النحل الباطلة والمذاهب المبتدعة التي أشرنا إلى بعضها فأساسها
العبودية والخضوع لفرد أو جماعة من البشر، يقدس منتحلها أشخاصهم ويرفعهم
على نفسه وعلى سائر الناس وهم منهم، ويوجب طاعتهم عند فريق وعبادتهم عند
آخر، فتكافل هؤلاء يكون تاما شاملا لأنه تعبدي، وعصبيتهم تكون أقوى لأنها
وجدانية لا عقل للأفراد ولا رأي للجمهور فيها.
ويرد علينا ههنا أن العقائد الباطلة والتعاليم الواطئة، خير للجماعات