على الأحكام التي نؤمن بأنها منزلة من عند الله تعالى، بله الأحكام الاجتهادية التي
استنبطها أئمتنا من نصوص شريعتنا وقواعدها، وقد سبق أسلافنا الإفرنج إلى
الاعتزاز بما لهم من تشريع وغيره في صدر الإسلام، ومن ذلك ما وقع لعمر
رضي الله عنه مع معاوية لما جاء الشام لابسا مرقعته، مرتحلا ناقته، إذ قال له
معاوية: (يا أمير المؤمنين، إن أهل الشام قد اعتادوا أن يروا حكامهم في ملابس
فاخرة فهم لا يهابون من يكون متبذلا في لباسه وزيه) فقال له عمر رضي الله عنه:
(نحن جئنا لنعلمهم كيف نحكم، لا لنتعلم كيف يحكمون) .
ومن ذلك أمره رضي الله عنه لقواده وعماله في بلاد الأعاجم بالتزام الزي
العربي، فقد كتب إلى عامله في بلاد العجم عتبة بن فرقد كتابا ينهاهم فيه عن زي
الأعاجم ويأمرهم بالمحافظة على عادتهم العربية، ومما قاله في كتابه: (تمعددوا -
أي تشبهوا بجدكم معد بن عدنان في شدته وبأسه وخشونة معيشته، فالمعديون في
العرب كالإسبرطيين في الإغريق - تمعددوا واخشوشنوا وابرزوا واقطعوا الركب -
أي ركاب الخيل - وارموا الأغراض، وعليكم بالشمس فإنها حمام العرب وإياكم
وزي الأعاجم ... إلخ) ، وقد حفظ العرب شخصيتهم القومية في الممالك التي
فتحوها ما داموا متمسكين بهذه الوصايا وغيرها من مقوماتهم ومشخصاتهم ولا سيما
لغتهم ودينهم، فكانت الأمم تندغم فيهم وتتعرب وتسلم، ومن تركها منهم ذاب
واندغم في غيره من الشعوب.
وقد قلد الإفرنج أجدادنا في هذه السيرة، ولا سيما الإنجليز. وأدعياء التجديد
الإلحادي يحاولون إقناعنا بأن ننسلخ من ذلك كله حتى أحكام الميراث التي خالف
الإنكليز فيها جميع شرائع الأمم كحيازة أكبر الذكور من الأسرة لجميع ما يتركه
أبواه من العقار دون سائر إخوته من بنين وبنات.
احتقار الملاحدة والقبط للمسلمين بدعوتهم إلى ترك شريعتهم:
وأما نحن المسلمين في هذه البلاد فقد بلغ من احتقار أدعياء التجديد لنا أن
يجهر الملاحدة والقبط بها على أعواد المنابر في المدارس الجامعة بدعوتنا إلى ترك
ديننا وشريعتنا كلها، لا إلى ترك أحكام الإرث وحدها، ذلك بأنهم احتجوا علينا بأن
الحكومة تركت أحكام شريعتنا في كذا وكذا من العقوبات والأموال فسكتنا لها وقبلنا
حكمها، فيجب علينا إذا أن نترك سائر ما شرعه الله لنا من الأحكام الشخصية في
الإرث والزواج والطلاق، إذ لا فرق عند هؤلاء المفتين المجددين بين النوعين من
أحكام الشريعة.
لقد هزلت حتى بدا من هزالها ... كلاها وحتى سامها كل مفلس
بل لم يقفوا عند هذا الحد من احتقارنا بالطعن في شريعتنا الإلهية الغراء،
العادلة الكاملة البيضاء، من أعلى المنابر وعلى صفحات المجلات والجرائد، حتى
زعموا أن جميع شبابنا المتعلمين أو سوادهم الأعظم يوافقهم في آرائهم، ويدين لهم
بالزعامة في تجديدهم، بل استخف بالمسلمين أجرؤهم على الجهر بالسوء فيهم وفي
دينهم [1] ، فطفق يشتمنا ويشتم كل من يدافع عن الإسلام في مصر وفي غيرها، وهو
من غير أصلاب الفراعنة آلهة المصريين الأقدمين، التي يوجب عليها في تجديدها أن
ترجع إلى مدنيتهم وإن مر عليها ألوف السنين، ويخص الكتاب السوريين المسلمين
بالقدح والتفريق بينهم وبين المصريين، فالمدنية الفرعونية الوثنية لا تنافي التجديد
المطلوب لمصر عنده؛ وإنما تنافيه الشريعة الإسلامية والحضارة العربية لأنهما
قديمتان باليتان بزعمه وزعم حزبه، وصرح في آخر مقال نشره في هذا الموضوع
بأن النعرة الدينية التي انتصرت بها مجلة المنار على مجلة الجامعة فقتلتها (فكان
الشباب المصري هو الخاسر بذلك) قد زالت في هذه الأيام بزوال سذاجة البلاد التي
كانت تجوز عليها هذه الأوهام، وحاول في هذه المقالة أن يجهز على هذه الأوهام
الإسلامية، بتحريك النعرة الوطنية المصرية الفرعونية، التي تأبى دخول آل