تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

الموشحة، والأساجيع المستملحة، وهل للقدماء إذا أنعم النظر من حضر غير

المعاني المطروقة الموارد، المعقولة الشوارد، المأثورة عنهم لتقادم الموالد، لا

لتقدم الصادر على الوارد ... إلخ) .

وللشعراء محاورات مشهورة في تفضيل الحبيب الأول أو الحبيب الآخر،

ومن المشهور في الأول قول بعضهم:

أتاني هواها قبل أن أعرف الهوى ... فصادف قلبا خاليا فتمكنا

وقول آخر:

كم منزل في الأرض يألفه الفتى ... وحنينه أبدا لأول منزل

نقل فؤادك حيث شئت مع الهوى ... ما الحب إلا للحبيب الأول

وقول بعضهم في الثاني:

محا حبها حب الألى كن قبلها ... وحلت مكانا لم يكن حل من قبل

وقول آخر في الرد على مفضل الحبيب الأول؛ ولكن جاء بحجة دينية لا

غرامية، وفلسفة دروينية لا عذرية:

أكلف بآخر من علقت بحبه ... لا خير في حب الحبيب الأول

أنشك في أن النبي محمدا ... ساد البرية وهو آخر مرسل؟

والعدل في الحكم أن تقدم الزمان وتأخره لا شأن لهما في المفاضلة بين الأفراد،

ففي كل زمان أفذاذ، فالقديم كان جديدا، والجديد يعود قديما، كما حققنا، ولله در

القائل في ذلك:

قل لمن يرى للأواخر شيئا ... ويرى للأوائل التقديما

إن ذاك القديم كان حديثا ... وسيبقى هذا الحديث قديما

وإنما التفاضل بين الأشياء والأشخاص يتعلق بذواتها وصفاتها، ودرجة انتفاع

الناس وارتفاقهم بها، فإن كان للمتقدم فضل الابتكار والاختراع، فقد يكون للمتأخر

عنه فضل التحسين والإكمال الذي يتم به الانتفاع، وقد اشتهر أن كثيرا من

المخترعات التي سبق بعض اللاتين أو الإنكليز إلى كشفها قد أتمها الألمان فكان

نفعهم وانتفاعهم بها أعظم.

* * *

القضية الثانية

(فضل الشيء في مزاياه ودرجة الانتفاع به)

جهل هذه الحقائق أو تجاهلها أدعياء التجديد، فطفقوا يدعون إلى ترك القديم

لأنه قديم، والأخذ بالجديد لأنه جديد، وربما وصفوا القديم بالبالي لزيادة التقبيح

والتنديد، وإن كان على قدمه لا تبلى جدته، ولا تخلق ديباجته، ولا تخبو ناره،

ولا تنطفئ أنواره، كدين الله القويم، وكتاب الله الكريم {وإذ لم يهتدوا به

فسيقولون هذا إفك قديم} (الأحقاف: 11) .

إن تفضيل الجديد لجدته على القديم لقدمه، مكابرة للحس وسفه للنفس

ومصادمة للعقل، وهو باطل ببداهة الرأي وإجماع كل قبيل وشعب، فإن من القديم ما

يتنافس فيه خواص الناس في أرقى أمم الحضارة، فيباع بالألوف الكثيرة من

الجنيهات، إما لقدمه ونفاسته معا، وإما لقدمه وحده، وإن هذه البلاد لتفاخر جميع بلاد

الحضارة بآثارها التليدة، وليس عندها شيء من مبتكرات حضارتها الطريفة، وإنك

لترى قصور الملوك والقياصرة وكبار الأمراء والأغنياء مزينة بالصور التي رسمها

قدماء المصورين، كما ترى على جدرانها دون أرضها أنفس السجاجيد العجمية

والشيلان الهندية القديمة.

وإنك لترى دور الآثار العادية تتغالى في شراء هذه الآثار، كما ترى خزائن

الكتب العامة الخاصة تتغالى في شراء الكتب القديمة لكبار العلماء المتقدمين، وإن

علماء هذا العصر في الغرب يشهدون لكثير من قدماء الحكماء والعلماء والشعراء

بالفضل، ويعترفون بأن منهم من لا نظير له في هذا العصر ولا شبيه.

وأما الأنبياء، وكبار القديسين والأولياء، فلا يزال السواد الأعظم في بلاد

الحضارة العصرية يفضلهم على جميع العلماء والحكماء المتقدمين والمتأخرين،

ويعترف بما امتازوا به في أنفسهم وفي هدايتهم، بل لا تزال مئات الملايين من

شعوب أوربة وأمريكة تعبد واحدا منهم، فأين تذهبون يا أدعياء التجديد الإلحادي؟

وما شأن من تقلدون من ملاحدة الإفرنج الأفذاذ مع العلم بالنهضة الدينية الجديدة في

أوربة وأمريكة التي أثارتها الحرب الأخيرة؟

وإن كان كل جديد يحمد ويؤثر لجدته، فماذا تقولون في هذه السموم الجديدة

المخدرة للأعصاب، بل المفسدة لصحة الأجساد، المطفئة لسرج العقول، التي

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ٣٢ · الصفحة ٣١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ٣٢ · ص ٣١