بالتشاور مع غيره من المصلحة المخالفة له، فأي معنى يبقى للدين؟ وكيف تجتمع
الكلمة به على ما يكونون به أمة واحدة، أوليس من الجائز على هذا أن يترك
الناس جميع ما جاء به الرسول لمخالفته لآرائهم وما يزعمون من مصالحهم غير
المقيدة بدين يتبع لذاته بإذعان الإيمان، ولا يستحل صاحبه ترك شيء منه إلا بما
ورد النص فيه بكونه عذرا كالضرورات التي تبيح المحظورات.
ثم إن هؤلاء الماديين لا يجدون أدنى باعث على قبول دين مادي يتوقف
إثبات ماديته على تحريف كثير من آيات كتابه عن مدلولها اللغوي الذي جرى عليه
جميع أهله من عهد النبي الذي جاء بهذا الكتاب إلى اليوم اتباعا لجاهل مغرور في
تحريفها وجعلها مادية، وقد حكم علماء أهلها بإلحاده في دينهم ومروقه منه.
ولا يغرن هذا الملحد أن الباطنية قبلوا أمثال هذا التحريف في القرآن من
دعاتهم، فيظن أنه يوجد من يقبله منه؛ فإن الذين قبلوا هذا من الباطنية إنما قبلوه
بعد إقناع الدعاة لهم بأنه بيان الإمام المعصوم لمراد الله من كتابه، وبعد إقناعهم بأن
هذا المعصوم موجود، وأنه لا يمكن فهم مراد الله وجمع كلمة المسلمين على ما
يرضيه إلا منه. فأنى لك أيها المغرور بإقناع الماديين والجاحدين لوجود الله أو
غيرهم بإمامتك وعصمتك؟ .
فإن كنت أيها الملحد تعقل أن يتبعك أحد في دينك هذا فلك العذر في الحكم
على أستاذك الذي تبرأ منك ورد عليك إرشادا لك، بأنه قد اختل عقله فلا يدري ما
يقول، وأنه يكيد لك مع شيخ الأزهر، وفي قولك المناقض لهذا، وفي سبك
وشتمك له، مع ادعائك أنك عذرته بجنونه وخرفه: {وقل للذين لا يؤمنون اعملوا
على مكانتكم إنا عاملون * وانتظروا إنا منتظرون} (هود: 121-122) .
-----------------
<span class="footnote">
</span></span>
الكاتب: محمد رشيد رضا
-----------------
<span class="footnote">