سواء كان متصلا أو منفصلا في الإعراب.
ومما يدل على تقييد السنن العامة بالمشيئة قوله تعالى بعدما ذكر في سورة
يونس: ﴿ولو شاء ربك لآمن من في الأرض كلهم جميعا﴾ (يونس: 99) وهذه
المشيئة إنما تكون بخلق البشر على غير هذه السنن المعروفة في خلقهم من اختلاف
الاستعداد للإيمان والكفر معا، ومن ترجيح بعض متعلق هذا الاستعداد على بعض،
أو بإزالة هذا الاستعداد بعض وجوده، وهو من سنن الله في نوع الإنسان.
ومن هذا الاستثناء عفو الله تعالى عما شاء من ذنوب عباده في الدنيا والآخرة؛
فإن عقاب المذنب من سنن العدل، والعفو والمغفرة من الرحمة والفضل، فكل
مذنب مستحق للعقاب بحسب سنة الله في تأثير الأعمال في النفس المقررة في قوله
تعالى: ﴿قد أفلح من زكاها * وقد خاب من دساها﴾ (الشمس: 9-10) وما كل
مذنب يستحق العفو، وقد اتفق حكماء البشر على أن من الحكمة الاستثناء في
القوانين بالعفو عن بعض العقوبات.
والآيات المحكمة الصريحة في فعل الله لما يريد، وأنه ما شاء كان وما لم
يشأ لم يكن - كثيرة، والمسلمون مجمعون على ذلك؛ ولكن إجماعهم لا قيمة له عند
ملحد دمنهور ولا يحتج به في دينه، وقد يعبر عنهم بما يدل على أنه ليس منهم كما
قال في تفسير: ﴿وقال الظالمون إن تتبعون إلا رجلا مسحورا﴾ (الفرقان: 8)
وهذا نصه:
(ومن الغريب مع هذا الدليل المبين أن المسلمين ينقلون في كتبهم أن النبي
سحر بناء على حديث رواه اليهود، كما ينقل النصارى صلب المسيح بناء على
حديث رواه اليهود أيضا) اه. فقد أنكر على المسلمين لا على المحدثين، ويعني
بقوله: كتبهم، أصح كتب الحديث وجميع كتب التفسير؛ ولكنه كذب في زعمه أن
حديث السحر المذكور قد رواه اليهود، والغرض من ذكر عبارته هنا أنه يهزأ
بأعظم كتب المسلمين في التفسير والحديث هزو الساخر المتبرئ من المسلمين،
وأما تحقيق المسألة فقد بيناه في المنار.
ومنها قوله تعالى: ﴿إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون﴾ (يس:
82) وهذا المعنى مكرر في القرآن، وهو ظاهر فيما يخلقه تعالى بدون نظام
الأسباب، كخلق آدم من تراب، وخلق عيسى بن مريم من أم بدون أب.
وجملة القول في مسألة سنن الله تعالى في نظام الكون وسنن الاجتماع
والعمران: أن ما ثبت منها فهو مقتضى حكمته، وأنه غير مقيد لعموم مشيئته
وشمول قدرته، وأن ما ثبت في كتابه أو في خليقته من آياته المخالفة للمعروف من
تلك السنن فهو من تصرفه بمشيئته واختياره، لحكمة يعلمها في ذلك وقد يعلمها من
شاء من خلقه، كمعجزات رسله عليهم السلام؛ فإن حكمتها ظاهرة بينها علماء
أتباع الرسل أحسن البيان.
وإن منتهى الجهل والكفر بالله تعالى جعله مقيدا بما يظهر لبعض الناس من
هذه السنن مع تخبطهم فيها، وعدم اتفاق عقلائهم وعلمائهم على ضرورة اطرادها،
وما هذه الأرض وسننها إلا كذرة من ذراتها في جملتها ومجموعها، بالنسبة إلى
ملك الله العظيم الذي ثبت لعلماء الفلك أن بعض أجرامه يبعد عن البعض الآخر بما
يقدر بملايين السنين لسرعة النور، وهو يقطع نحوا من مائة مليون ميل في زهاء
عشرة دقائق، فمن أنت أيها الجهول حتى تبيح لنفسك تحريف كلام الله لتأويل آياته
في خلقه اغترارا بما لا تعلم حقيقته من هذه السنن.
فإذا كان شيطان الجهل والغرور قد زين لملحد دمنهور أنه يمكنه أن يكون
رجلا عظيما في الأرض بوضع دين جديد لمن غلبت عليهم ظواهر الفلسفة المادية
لا يوجد فيه شيء مخالف للمألوف عندهم، فليبعد عن القرآن والإنجيل والتوراة
والزبور، فإن أديان جميع رسل الله مؤسسة على عقيدة تصرف رب العالمين في
خلقه بمشيئته واختياره في كل وقت، وعلى تأييده لمن شاء من رسله بخوارق
العادات، وسنن الاجتماع والكائنات، وعلى أن عالم الغيب من الملائكة والجن
وغيرهم لا يقاس على عالم المادة، وأن الإيمان بما ورد الوحي فيه من ذلك كما