تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

بأن الله فاعل مختار بيده ملكوت كل شيء في كل وقت، وكفار يزعمون أن كل

حركة وسكون في هذا الكون تجري على سنن نواميس فيه بمقتضى الضرورة لا

تأثير فيها لموجود غيرها، وما يشاهدونه في كل زمن من وجود أشياء على غير

هذه السنن المعروفة يسمونه (فلتات الطبيعة) ويقولون إنه لا بد له من سبب وإن

كنا لا نعرفه، وما ينقل في كتب المليين من آيات الأنبياء، منهم من ينكره ومنهم

من يتأوله، ومنهم من يقول: إنه من فلتات الطبيعة التي لم يظهر لنا سببها،

فمذاهبهم في هذه المسائل متعددة.

وملحد دمنهور قد جرى على أصل هؤلاء القائلين بأن السنن والنواميس

ضرورية لا يمكن تغيير شيء منها ولا تبديله ولو بفعل الله ومشيئته، وأنه ما وقع

ذلك في الماضي للرسل ولا لغيرهم، فهو مخالف لجميع المليين من أتباع الرسل

عليهم السلام، ولولا هذا لم يكن محتاجا إلى تحريف ما جاء في القرآن من أخبار

الغيب ومعجزات الرسل.

شبهة ملحد دمنهور في السنن وبيان بطلانها:

قد يقول بغروره بجهله: إنني قد أخذت في هذا بما جهله جميع المسلمين وجميع

المليين من قبلهم (أي وعرفه ملاحدة الباطنية لا سيما البهائية آخرهم) وهو ما

نص عليه القرآن في مثل قوله تعالى: {فهل ينظرون إلا سنة الأولين فلن تجد

لسنت الله تبديلا ولن تجد لسنت الله تحويلا} (فاطر: 43) .

ونقول في جوابه (أولا) : إن سنة الله التي قال إنه لا تبديل لها ولا تحويل،

هي نصر رسله على المعاندين لهم من أقوامهم، كما هو صريح الآيات التي وردت

فيها في سور الإسراء والأحزاب وفاطر والفتح، وفي السور التي لم يذكر فيها أنه

لا تبديل لها أيضا.

وجاء لفظ السنن جمعا بهذا المعنى في سياق الكلام على غزوة أحد من سورة

آل عمران {قد خلت من قبلكم سنن فسيروا في الأرض فانظروا كيف كان عاقبة

المكذبين} (آل عمران: 137) وجاء بمعنى التشريع الديني في سياق محرمات

النكاح وحكمتها من سورة النساء {يريد الله ليبين لكم ويهديكم سنن الذين من قبلكم

ويتوب} (النساء: 26) فهو لم يقل هذا في أمر الخلق والتكوين، وربما كنت أنا

الذي التزمت إطلاق هذا اللفظ على ما يسميه علماء الكون والفلسفة بالنواميس

الطبيعية في المنار والتفسير، وفي نظام مدرسة الدعوة والإرشاد، إذ أطلقت اسم

سنن الكائنات على الدروس التي وضعها الدكتور محمد توفيق صدقي - رحمه الله

تعالى - في علم حفظ الصحة ومقدماته من علم الطبيعة وعلم وظائف الأعضاء،

فنشرتها في المنار وطبعتها على حدتها بهذا الاسم.

وأول من أرشدنا إلى كون أصول علم الاجتماع من سنن الله في خلقه،

حكيمنا العربي الواضع الأول لقواعد هذا العلم عبد الرحمن بن خلدون رحمه الله

تعالى؛ فإنه يكرر في مقدمته عقب بيان القاعدة العمرانية قوله: سنة الله في خلقه،

أو سنة الله التي قد خلت في عباده، ثم زاد عليه في هذا أستاذنا الإمام في مقالات

العروة الوثقى الاجتماعية، وزدت عليهما تعميم ذلك في النواميس الكونية كلها.

هذا وإنه ليس عندنا دليل ديني ولا عقلي على استحالة وقوع التبديل والتحويل

في هذه السنن، ولا على اطرادها وعدم الشذوذ فيها مع الجزم بإمكانها.

وأما الأدلة العلمية المبنية على التجارب العملية فقد بينا آنفا أن أهلها لا

يقولون بوجوب شيء من هذه السنن المعروفة، بحيث يستحيل نقضه وثبوت خلافه،

وأنهم يثبتون الشذوذ بالأسباب المجهولة المعبر عنها بفلتات الطبيعة، وبالأسباب

العلمية العملية، وقد كان بعض الناس ينكرون ما جاء به الأنبياء من أخبار عالم

الغيب كالملائكة والجن والبعث بعد الموت لاستبعادها في مألوفاتهم وزعمهم أنها لا

تعقل، وما وصل إليه البشر في هذا العصر من أسرار الكهرباء لم يبق شيئا من

ذلك مستبعدا فضلا عن كونه محالا عقلا.

أفليس المؤمنون بوجود الخالق الفعال لما يريد، وأن (ما شاء كان، وما لم

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ٣٢ · الصفحة ٢٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ٣٢ · ص ٢٤