تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

4.105-108

﴿ إنا أنزلنا عليك الكتاب ﴾ أي: علم تفاصيل الصفات وأحكام تجلياتها بالحق ملتبسا بالعدل والصدق أو قائما بالحق لا بنفسك لتكون حاكما بين الخلق ﴿ بما أراك الله ﴾ من عدله ﴿ ولا تكن للخائنين ﴾ الذين لا يؤدون أمانة الله التي أودعها عندهم في الأزل بما ركز في استعدادهم من إمكان كمال معرفته وخانوا أنفسهم وغيرهم بنهب حقوقهم وصرفها في غير وجهها ﴿ خصيما ﴾ يدفع عنهم العذاب وتسليط الله الخلق عليهم بالإيذاء ويحتج عنهم على غيرهم أو على الله بالاعتراض بأنه لم خذلهم وقهرهم فإنهم الظالمون لا حجة لهم بل الحجة عليهم ﴿ واستغفر الله ﴾ لنفسك بترك الاعتراض والاحتجاج عنهم لنغفر تلوينك الذي ظهر عليك بوجود قلبك وبصفاته ﴿ ولا تجادل ﴾ ظهر تأويله من هذا ﴿ يستخفون من الناس ﴾ بكتمان رذائلهم وصفات نفوسهم التي هي معايبهم عنهم ﴿ ولا يستخفون من الله ﴾ بإزالتها وقلعها وهو شاهدهم يعلم بواطنهم ﴿ إذ يبيتون ﴾ أي: يقدرون في عالم ظلمة النفس والطبيعة ﴿ ما لا يرضى من القول ﴾ من الوهميات والتخيلات الفاسدة التي يلفقونها في تحصيل أغراضهم من حطام الدنيا ولذاتها ﴿ وكان الله بما يعملون محيطا ﴾ يجازيهم بحسب صفاتهم وأعمالهم.

4.109-112

﴿ ها أنتم هؤلاء ﴾ ظاهر مما مر ﴿ ومن يعمل سوءا ﴾ بظهور صفة من صفات نفسه ﴿ أو يظلم نفسه ﴾ بنقص شيء من كمالاته التي هي مقتضى استعداده بتقصير فيه وارتكاب عمل ينافيه ثم يطلب من الله ستر تلك الصفة والهيئة الساترة لكماله بالتوجه إليه والتنصل عن الذنب ﴿ يجد الله غفورا ﴾ يستر ذلك السوء والهيئة المظلمة بنور صفته ﴿ رحيما ﴾ يهب ما يقتضيه استعداده. ﴿ ومن يكسب خطيئة ﴾ بظهور نفسه ﴿ أو إثما ﴾ يمحو ما في استعداده وكسب هيئة منافية لكماله ﴿ ثم يرم به بريئا ﴾ بأن قال: حملني على ذلك فلان، ومنعني عن طلب الحق فلان، وهذا جريمة فلان، كما هو عادة المتعللين بالأعذار ﴿ فقد احتمل بهتانا ﴾ بنسبة فعله إلى الغير إذ لو لم يكن في نفسه ميل لما يضاد كماله ومناسبة لمن وافقه وأطاعه لما قبل ذلك منه، فما كان إلا من قبل نفسه كما قال لهم الشيطان:

إن الله وعدكم وعد الحق ووعدتكم فأخلفتكم وما كان لي عليكم من سلطان إلا أن دعوتكم فاستجبتم لي فلا تلوموني ولوموا أنفسكم

[إبراهيم، الآية: 22] إذ لو لم يكن في نفوسهم ظلمة بكسبها وظهور صفاتهم لم يكن فيهم محل لوسوسته وقابلية لدعوته ﴿ وإثما مبينا ﴾ ظاهرا متضاعفا لتركبه من هيئة الخطيئة والامتناع من الاعتراف، ونسبة التقصير إلى أنفسهم لتنكسر فتضعف عن الاستيلاء على القلب وحجبه عن الكمال.

تفسير القرآن · الصفحة ١٢٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

تفسير القرآنص ١٢٦