فإنه كما كتب بخطه فراجع وذاكر وقرأ وأقرأ، وأقبل العزم المصمم على التحصيل، ووفق للهداية إلى سواء السبيل، والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات.
فأخذ عن مشايخ ذلك العصر، وقد بقي منهم بقايا، وواصل الغدو والرواح إلى المشايخ بالبواكر والعشايا (¬1).
ولم يكتف بذلك فقط، وإنما شد رحال العزم ليشافه الرجال في مختلف الأماكن والبلدان؛ وليحظ بصحبة الجهابذة الأفذاذ الذين وصفهم أبو جعفر المنصور لما قيل له: «هل بقي من لذات الدنيا شيء لم تنله؟ قال: بقيت خصلة أن أقعد في مصطبة وحولي أصحاب الحديث فيقول المستملي: من ذكرت رحمك الله؟ قال: فغدا عليه الندماء وأبناء الوزراء بالمحابر والدفاتر، فقال: لستم بهم، إنما هو الدنسة ثيابهم، والمتشققة أرجلهم، الطويلة شعورهم بدد الآفاق ونقلة الحديث» (¬2)، فرحل -رحمه الله- إلى اليمن، والشام والحجاز وغيرها، وأخذ العلم عن مشاهير العلماء في هذه البلدان (¬3)، حتى حصل مالم يحصله أقرانه وندماؤه.
شيوخه:
من أكثر من الطلب أكثر من الشيوخ، ومن تفنن في العلوم لا بد أن تتعدد موارده العلمية فكان للحافظ ابن حجر ميزة على أقرانه بكثرة الشيوخ وتنوع المعارف، فقد تلقى ابن حجر العلم عن شيوخ كثيرين في مختلف العلوم والفنون، وقد خصص لشيوخه كتابين:
الأول: «المجمع المؤسس للمعجم المفهرس» ترجم فيه لشيوخه، وذكر مروياتهم بالسماع أو بالإجازة أو الإفادة عنهم.
:
(¬1) عسقلان: بفتح أوله، وسكون ثانيه، ثم قاف، وآخره نون: مدينة بالشام من أعمال فلسطين على ساحل البحر، بين غزة وجبرين، يقال لها: (عروس الشام)، وكان يرابط بها المسلمون لحراسة الثغر. مراصد الاطلاع 2/ 940.
(¬2) ينظر: نظم العقيان: 45، وشذرات الذهب 7/ 270، وطبقات الحفاظ: 552، وابن حجر ودراسة مصنفاته 1/ 63 - 73.
(¬3) رفع الإصر: 1/ 85، وابن حجر ودراسة مصنفاته 1/ 74.
(¬4) ينظر: إنباء الغمر 1/ 306.
(¬5) ينظر: الجواهر والدرر 1/ 123.