تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وضعه على مذهب القدر. فظهر عندك أن التعارض غالب في هذه المسألة إلا أن مذهبنا أقوى بسبب حرف واحد، وهو أنا إن قدحنا في قول: «الممكن لا بد له من سبب» انسد علينا باب إثبات الصانع، وإن سلمنا بهذه المقدمة لزمنا القول بأن العبد غير مستقل بالإيجاد. فلما كان دليل قولنا في هذه المسألة، ودليل إثبات الصانع:

دليلا واحدا، لا جرم كان جانبنا أقوى وأكمل.

ولنذكر الآن طرفا من الحكايات المذكورة في هذه المسألة:

الحكاية الأولى: جاء رجل إلى علي بن أبي طالب، وقال: أنا أملك الخير والشر، والطاعة والمعصية. فقال علي بن أبي طالب: تملكها مع اللَّه أو تملكها بدون اللَّه؟ فإن قلت: أملكها مع اللَّه فقد ادعيت أنك شريك اللَّه، وإن قلت: أملكها بدون اللَّه، فقد ادعيت أنك أنت اللَّه.

فتاب الرجل على يده.

الحكاية الثانية: جاء رجل آخر إلى علي بن أبي طالب، وسأل عن القضاء والقدر. فقال:

«بحر عميق. لا يدرك غوره» فأعاد السائل السؤال. فقال: «طريق مظلم، لا نسلكه» فأعاد السؤال. فقال علي: «لا حول ولا قوة إلا باللَّه العلي العظيم» تعرف معناها؟ قال: لا. فما معناها؟ قال: «لا حول عن معصية اللَّه، إلا بعصمة اللَّه. ولا قوة على طاعة اللَّه، إلا بتوفيق اللَّه» وهذا إشارة إلى ما ذكرناه، من أن القادر متساوي القدرة بالنسبة إلى الطاعة والمعصية. فلا يترجح أحد الجانبين على الآخر، إلا لمرجح من قبل اللَّه (1).

(1) أورد أبو القاسم بن حبيب النيسابوري - وهو من شيوخ البيهقي - توفي سنة (406) ه‍ في تفسيره بإسناده أن علي بن أبي طالب رضي اللَّه عنه سأله سائل عن القدر؟ فقال: طريق دقيق لا تمش فيه. فقال: يا أمير المؤمنين أخبرني عن القدر؟ فقال: بحر عميق لا تخض فيه. فقال: يا أمير المؤمنين أخبرني عن القدر؟ فقال: سر خفي للَّه لا تفشه. فقال: يا أمير المؤمنين أخبرني عن القدر؟ فقال علي رضي اللَّه عنه: يا سائل إن اللَّه تعالى خلقك كما شاء. أو كما شئت؟ فقال: كما شاء. قال: إن اللَّه يبعثك يوم القيامة كما شئت أو كما يشاء؟ فقال: كما يشاء. فقال: يا سائل لك مشيئة مع اللَّه أو فوق مشيئته أو دون مشيئته؟ فإن قلت مع مشيئته ادعيت الشركة معه. وإن قلت دون مشيئته استغنيت عن مشيئته وإن قلت فوق مشيئته كانت مشيئتك غالبة على مشيئته. ثم قال: أ لست تسأل اللَّه العافية؟ فقال: نعم. فقال: فعما ذا تسأله العافية؟ أ من بلاء هو ابتلاك به أو من بلاء غيره ابتلاك به؟ قال: من بلاء ابتلاني به. فقال: أ لست تقول: لا حول ولا قوة إلا باللَّه العلي العظيم؟ قال: بلى. قال: تعرف تفسيرها؟ فقال: لا يا أمير المؤمنين علمني مما علمك اللَّه. فقال: تفسيره: إن العبد لا قدرة له على طاعة اللَّه ولا على معصيته إلا باللَّه عزّ وجلّ. يا سائل إن اللَّه يسقم ويداوي. منه الداء ومنه الدواء. اعقل عن اللَّه فقال السائل: عقلت. فقال: ألا صرت مسلما، قوموا إلى أخيكم المسلم، وخذوا بيده. ثم قال علي: لو وجدت رجلا من أهل القدر لأخذت بعنقه ولا أزال أضربه حتى أكسر عنقه فإنهم يهود هذه - - الأمة» (عن التبصير في الدين للأسفراييني ص (87) - (88)).

وانظر كلام الدكتور النشار في إثبات هذا القول رواية ودراية في نشأة الفكر الفلسفي في الإسلام ((245) / (1) - (246)) ورده من قبل الدكتور فاروق الدسوقي في القضاء القدر في الإسلام ((91) / (2) - (92)).

القضاء والقدر · الصفحة ٢٣٦

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

القضاء والقدرص ٢٣٦